كشف تقرير لصحيفة "لافانغارديا" الإسبانية عن تصاعد النفوذ الإماراتي في القارة الإفريقية، واصفاً الدولة الخليجية بـ "القوة الجديدة وراء الستار".
وأشار التقرير -الذي ترجمه "الإمارات 71"- إلى أن تحركات أبوظبي، التي مزجت بين الاستثمارات المليارية والتدخل العسكري، نجحت في إعادة تشكيل موازين القوى في مناطق حيوية، بدءاً من الاعتراف بـ "أرض الصومال" وصولاً إلى الهيمنة على ممرات التجارة العالمية في البحر الأحمر وخليج عدن.
اعتبر التقرير أن اعتراف "إسرائيل" الأخير بـ "أرض الصومال" (صوماليلاند) في أواخر عام 2025، مثّل زلزالاً جيوسياسياً كانت الإمارات المحرك الرئيسي له.
هذا الاعتراف لم يمنح تل أبيب نفاذاً إلى ممر مائي حيوي فحسب، بل مكنها من تقريب ذراعها العسكرية لمواجهة تهديدات الحوثيين في اليمن وتأمين الخاصرة الجنوبية عبر ميناء "بربرة" الاستراتيجي، الذي تسيطر عليه حليفتها الإمارات.
وتؤكد الصحيفة أن أبوظبي تحولت خلال عقد واحد إلى "قوة عظمى خفية" في إفريقيا، متجاوزة نفوذ قوى تقليدية مثل فرنسا، ومنافسين دوليين مثل الصين والولايات المتحدة، وذلك بفضل استراتيجية استثمارية هائلة وضعتها في صدارة المستثمرين المباشرين في القارة لعام 2024.
وقالت لافانغارديا إنه "إذا كان تراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل قد أتاح تمدد قوى مثل روسيا والصين، فإن خطوة تل أبيب تنذر بتحولات جيواستراتيجية في القرن الإفريقي وبقية القارة. فالإمارات، الداعم الرئيسي للاعتراف بأرض الصومال (رغم معارضة السعودية وتركيا ومصر)، تحولت خلال عقد من الزمان إلى القوة العظمى "الخفية" في إفريقيا بفضل استراتيجية استثمارية هائلة".
وفقاً للبيانات، أعلنت الشركات الإماراتية عن مشاريع بقيمة 110 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية، وهو ما يعادل ضعف استثمارات الصين أو القوى الأوروبية. وانتقلت أبوظبي من التركيز التجاري التقليدي إلى "استراتيجية القوة الشاملة"، التي تستهدف قطاعات اللوجستيات، الطاقة المتجددة، والأمن الغذائي، مع التركيز بشكل خاص على "دبلوماسية الموانئ".

خريطة توضح الموانئ التي تتواجد فيها الإمارات - لافانغارديا
ويوضح المحلل حسام محجوب من معهد "ترانسناشيونال" (TNI)، أن الاستحواذ على امتيازات الموانئ هو "قلب الاستراتيجية الجيوسياسية الإماراتية"، حيث تفرض شركات مثل موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي سيطرتها على طرق التجارة العالمية، مما قلص التكاليف والزمن اللوجستي بشكل غير مسبوق في دول مثل كينيا ورواندا.
وقد بدأ بالفعل ظهور تأثير العملاقين الإماراتيين: "مجموعة موانئ أبوظبي، وموانئ دبي العالمية". ووفقاً لسلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة موانئ دبي المُقال مؤخراً بسبب ارتباطه بفضائح إبستين، فإن الحاوية التي كانت تستغرق أسبوعين للوصول من الساحل الكيني إلى رواندا بتكلفة 10 آلاف دولار، باتت تصل الآن في أربعة أيام وبثلث التكلفة.
وقالت الصحيفة الإسبانية: لقد استغلت الإمارات التنافس بين السعودية وقطر في اندفاعها نحو القارة، خاصة في الساحة الحساسة للقرن الإفريقي، لتقديم نفسها كشريك موثوق يمتلك قدرات عسكرية، ولا يتردد في استغلال حالة عدم الاستقرار لدى الآخرين لتحقيق مصالحه الخاصة.
لم يخلُ الصعود الإماراتي من انتقادات دولية حادة؛ حيث لفت التقرير إلى الاتهامات الموجهة لأبوظبي بالتدخل في حرب السودان عبر دعم "قوات الدعم السريع" بالأسلحة مقابل الحصول على الذهب. وتحولت الإمارات في عام 2024 إلى ثاني أكبر مستورد للذهب في العالم، حيث يأتي أكثر من نصف هذا المعدن (54%) من القارة الإفريقية، وغالباً عبر مسارات مشبوهة ومن مناطق نزاع.
وفي دراسته المعنونة "الجانب القبيح لتجارة الذهب بين إفريقيا والإمارات"، يشير الاقتصادي البوروندي "أركيد ندوريسيمبا" إلى المصدر المشبوه لهذه الثروة، قائلاً: "يتبع مستوردو الذهب عادةً معايير صارمة بشأن مصدر المعدن وطريقة إنتاجه، ويهتمون بما إذا كان الذهب قادماً من مناطق نزاع أو مرتبطاً بانتهاكات حقوق الإنسان، غير أن الإمارات لا تعير هذه الاعتبارات اهتماماً كبيراً".
وتشير تقارير منظمة "سويس إيد" إلى أن كميات ضخمة من الذهب الإفريقي المهرب من السودان، وأوغندا، ورواندا، والكونغو، تجد طريقها إلى أبوظبي بعيداً عن المعايير الصارمة لمصدر المعدن، مما يحول المصالح الاقتصادية إلى نفوذ سياسي "مستدام ولكنه مثير للجدل".
ويرى الباحث "إميل بوفييه" أن الوجود الإماراتي في إفريقيا وُجد ليبقى، قائلاً: "في أقل من عقدين، رسخت الإمارات مكانتها كأحد الفاعلين الرئيسيين في القرن الإفريقي، وحولت مصالحها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي مستدام".