في تطور يعكس اتساع رقعة التدخلات الإقليمية في الأزمة السودانية، كشف تقرير نشرته صحيفة "دويتشه فيله" (Deutsche Welle) في نسختها الإنجليزية، عن دور "محوري" ومباشر تلعبه كل من وأبوظبي في دعم قوات الدعم السريع.
واستندت الصحيفة في تقريرها إلى تقرير حديث لوكالة "رويترز" كشف عن وجود معسكر سري داخل الأراضي الإثيوبية مخصص لتدريب آلاف المقاتلين التابعين للمليشيا شبه العسكرية، في إشارة واضحة إلى أن أحد أكثر النزاعات دموية في العالم بات يُغذى من قوى إقليمية في أفريقيا والشرق الأوسط.
ويمثل هذا التقرير أول دليل مباشر على تورط إثيوبيا الفعلي في الصراع السوداني، حيث أفيد بأنها توفر لقوات الدعم السريع إمدادات ضخمة من المقاتلين والتدريب، لدعم المجموعة التي تخوض معارك ضارية ضد القوات الحكومية السودانية منذ عام 2023.
وبحسب ما أورده التقرير، فإن بناء هذا المعسكر تم بتمويل من أبوظبي، التي قدمت أيضاً مدربين عسكريين ودعماً لوجستياً للموقع. ومع ذلك، لم تتمكن الوكالة من التحقق بشكل مستقل من التورط الإماراتي؛ وعندما طُلب منها التعليق، نفت الإمارات أي صلة لها بالأمر، مؤكدة أنها ليست طرفاً في هذا النزاع.
وفي هذا السياق، صرح عبد الرحمن سيد، المحلل الجيوسياسي لشؤون القرن الأفريقي، لـ "دويتشه فيله" قائلاً: "أفادت التقارير بأن قوات الدعم السريع أنشأت معسكراً في غرب إثيوبيا منذ شهرين".
ولطالما اتهمت الحكومة السودانية قوى خارجية بمساعدة قوات الدعم السريع. ومن جانبه، أوضح مارتن بلاوت، الصحفي والخبير في شؤون القرن الأفريقي، لـ "دويتشه فيله" أن هناك مؤشرات عديدة كانت توحي بأن الأمور ستسير في هذا الاتجاه.
وقال بلاوت: "إن الإمارات هي القوة الدافعة وراء كل ما يحدث"، مضيفاً أنه لو كان الإثيوبيون يعارضون مصالحهم، لما وافقوا على المضي قدماً في هذا المسار، وتابع: "من الواضح تماماً أن الإمارات هي الآن المحرك الرئيسي لما يجري".
لا نهاية قريبة للقتال
وأشار بلاوت إلى أن إنهاء الصراع الدائر في السودان يتطلب "معجزة"، موضحاً: "سيكون من الصعب للغاية على أي طرف إلحاق هزيمة حاسمة بالطرف الآخر؛ فإذا نظرت إلى المشهد، ستجد أن قوات الدعم السريع مدعومة من الإمارات، وتحظى بدعم من أجزاء في ليبيا وتشاد وإثيوبيا"، لافتاً إلى أن لديهم قاعدة انطلاق جيدة وتمويلاً كافياً.
وأردف قائلاً: "على الجانب الآخر، يحظى الجيش السوداني بدعم من مصر والسعودية والصومال"، مشدداً على أن أياً من الطرفين لن ينفد ما لديه من معدات أو أموال أو أفراد، وخلص إلى القول: "لذا، لا أرى أي نهاية تلوح في الأفق لهذا الصراع".
وفي شهادة تعكس مأساوية الوضع، قال حمزة حسين، وهو لاجئ يبلغ من العمر 54 عاماً: "لقد عشت حروباً أخرى في السودان، لكن هذه الحرب يبدو من المستحيل إيقافها؛ فهناك الكثير من المتمردين يقاتلون".
وخلال عام 2024، استضافت إثيوبيا أكثر من 50 ألف لاجئ سوداني، رغم مواجهتها لتحدياتها الداخلية الخاصة؛ حيث تصدرت قضايا انعدام الأمن الغذائي المشهد، في وقت تعاني فيه البلاد من نزوح داخلي طال 3.5 مليون إثيوبي شردتهم النزاعات في أقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا.
أزمة إنسانية متفاقمة
وفي أوائل شهر فبراير الجاري، أفاد تقرير "التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي" (IPC) بأن سوء التغذية الحاد قد وصل إلى مستويات المجاعة في مدينتين إضافيتين بدارفور. وكان التقرير قد حذر في العام الماضي من أن سكان مدينة الفاشر، كبرى مدن دارفور التي سقطت في يد قوات الدعم السريع بعد حصار دام 18 شهراً، يرزحون تحت وطأة المجاعة.
ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة، حصدت الحرب أرواح أكثر من 40 ألف شخص، وشردت ما يقدر بنحو 14 مليون آخرين.
وقد وصفت منظمة الصحة العالمية النزاع المستمر في السودان بأنه "أسوأ أزمة صحية وإنسانية في العالم"، حيث يحتاج أكثر من 20 مليون شخص إلى مساعدة صحية، بينما يفتقر أكثر من 21 مليوناً إلى الغذاء بشكل يائس.
كما ذكرت المنظمة أن "ما يقدر بنحو 33.7 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال هذا العام". ومع ذلك، أدت القيود الشديدة على الوصول وتقلص التمويل الإنساني إلى تفاقم الوضع؛ إذ تضررت الخدمات الصحية في البلاد بشدة جراء القتال المستمر والهجمات، مما أدى إلى نقص حاد في الكوادر الطبية والإمدادات الأساسية.
وأفادت منظمة الصحة العالمية بوقوع 201 هجوم على منشآت الرعاية الصحية منذ أبريل 2023، ما أسفر عن 1858 حالة وفاة و490 إصابة.