بعد أشهر من التباينات التي خيمت على العلاقات الإماراتية السعودية على خلفية الملف اليمني، بعث مسؤولون بارزون في البلدين رسائل متزامنة تؤكد متانة الشراكة التاريخية بين الرياض وأبوظبي، في تحرك جاء بالتزامن مع تصعيد جماعة الحوثي وتهديدها باستهداف السعودية وفرض ما وصفته بـ"حظر الملاحة البحرية" عليها، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على تغليب التنسيق المشترك في مواجهة التحديات الإيرانية والحوثية.

وجاءت الرسائل في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات متسارعة، أعادت إلى الواجهة أهمية التنسيق السعودي الإماراتي، بعد أشهر من الحديث عن تباينات في المواقف تجاه عدد من الملفات، وفي مقدمتها الأزمة اليمنية.

رسائل متزامنة تؤكد متانة العلاقة

في هذا السياق، نشر رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية، تركي آل الشيخ، صورة جمعت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان والنائب الثاني لرئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، موضحاً أن الصورة التُقطت قبل أيام، وأرفقها بتعليق قال فيه: "السعودية والإمارات قصة علاقات أخوية وشراكة راسخة".

وأعاد المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة أنور قرقاش، نشر الصورة، مستشهداً ببيت الشعر: "تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً... وإذا افترقن تكسرت آحادا".

وحظيت المنشورات بتفاعل واسع من رواد مواقع التواصل في السعودية والإمارات، الذين أشادوا بمتانة العلاقات بين البلدين وأهمية استمرار التنسيق بينهما.

وفي خطوة عكست وحدة الخطاب الرسمي، نشر وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري، ورئيس المكتب الوطني للإعلام ورئيس مجلس إدارة مجلس الإمارات للإعلام عبد الله بن محمد آل حامد، رسالتين متقاربتين عبر منصة "إكس"، أكدا فيهما عمق العلاقات الأخوية بين البلدين، ودعوا وسائل الإعلام إلى عكس حقيقة هذه العلاقة وعدم الإسهام في تأجيج الخلافات أو تقويضها.

وأكد آل حامد أن العلاقات الإماراتية السعودية تمثل امتداداً لتاريخ طويل من الروابط الأخوية بين شعبين يجمعهما مصير واحد، مشيراً إلى أن هذه العلاقات تستند إلى قيادة حكيمة في البلدين تعمل بتنسيق وثيق ورؤية مشتركة نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

وأضاف أن مسؤولية الإعلام تتمثل في نقل هذه الحقيقة بموضوعية والتصدي لأي محاولات تستهدف الإساءة إلى العلاقات الثنائية.

تهديدات الحوثيين

وجاءت هذه الرسائل بعد إعلان المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، يحيى سريع، فرض ما وصفه بـ"حظر الملاحة البحرية" على السعودية، مبرراً ذلك بما قال إنه رد على الحصار الذي تفرضه الرياض على المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة في اليمن.

وأثارت هذه التهديدات إدانات إقليمية، كان أبرزها من الإمارات التي أكدت، في بيان صادر عن وزارة الخارجية، رفضها لأي تهديد يستهدف أمن السعودية أو حرية الملاحة في الممرات الدولية.

ودعت أبوظبي المجتمع الدولي إلى ضمان تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 2216 الخاص باليمن، والذي ينص على انسحاب الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها، إضافة إلى القرار 2722 المتعلق بحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر.

وأكدت الوزارة أن حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية حق تكفله قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، مجددة تضامنها الكامل مع السعودية ودعمها لكل ما من شأنه حماية أمنها واستقرارها.

تباينات سابقة حول اليمن

وتأتي هذه الرسائل بعد أشهر من التباينات التي شهدتها العلاقات بين الرياض وأبوظبي بشأن الملف اليمني، والتي رافقتها بيانات رسمية متبادلة، إضافة إلى تقارير إعلامية تحدثت عن فتور في العلاقات بين البلدين.

وفي 30 ديسمبر 2025، اتهمت السعودية الإمارات بدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لتنفيذ عمليات عسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة، بالقرب من الحدود الجنوبية للمملكة.

ورفضت أبوظبي تلك الاتهامات، كما نفت صحة مزاعم أخرى تحدثت عن إرسال شحنة أسلحة إلى قوات المجلس الانتقالي، مؤكدة أن الشحنة كانت مخصصة لما تبقى من قواتها في اليمن، ومعلنة في الوقت ذاته سحب تلك القوات.

وفي اليوم نفسه، أعلنت قيادة التحالف العربي بقيادة السعودية تنفيذ ضربة جوية محدودة استهدفت ميناء المكلا بمحافظة حضرموت، وقالت إنها استهدفت شحنة أسلحة ومركبات عسكرية وصلت على متن سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي، دون الحصول على تصاريح من قيادة التحالف.

وترافق ذلك مع بيان لوزارة الخارجية السعودية اعتبرت فيه أن أي إجراءات مرتبطة بدعم قوات المجلس الانتقالي في شرق اليمن تمثل تهديداً مباشراً للأمن الوطني السعودي، مؤكدة أن أمن المملكة يمثل "خطاً أحمر".

وتصاعدت الأزمة حينها إلى حد مطالبة الجانب اليمني المدعوم من السعودية بخروج القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، عقب الضربة التي استهدفت ميناء المكلا، في خطوة عكست حجم التوتر داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

كما تزامنت تلك التطورات مع تراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، بعدما أعلنت قيادة التحالف مغادرة رئيس المجلس عيدروس الزبيدي مدينة عدن إلى خارج اليمن، في رواية قالت إنه غادر بحراً إلى أرض الصومال قبل انتقاله جواً إلى أبوظبي.

ورأى مراقبون أن مغادرة الزبيدي، بعد أسابيع من التوتر حول تحركات المجلس في المحافظات الشرقية، عكست نجاح الرياض في إعادة ترتيب المشهد داخل المناطق اليمنية الجنوبية، وتأكيد أن أي تحركات عسكرية خارج التفاهمات التي تقودها المملكة لن تحظى بغطاء من التحالف.

اختلافات لم تُلغِ الشراكة

ورغم تلك التباينات، حرص مسؤولو البلدين على التأكيد مراراً أن الخلافات في بعض الملفات لا تمس جوهر العلاقات الاستراتيجية.

ففي يناير الماضي، وصف وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان العلاقة مع الإمارات بأنها "بالغة الأهمية" وتمثل أحد أهم عناصر استقرار المنطقة.

وأكد في تصريحات صحفية وجود اختلافات في وجهات النظر بشأن الملف اليمني، موضحاً أن الإمارات اتخذت قرار الانسحاب من اليمن، بينما ستواصل السعودية تحمل مسؤولياتها ضمن جهود دعم الحكومة اليمنية.

وكانت الإمارات عضواً رئيسياً في التحالف العربي الذي تقوده السعودية منذ عام 2015 لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة جماعة الحوثي، التي تسيطر على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات منذ سبتمبر 2014.

من اليمن إلى النفط

ولم تقتصر التباينات بين البلدين على الملف اليمني، إذ أشارت تقارير، بينها تقرير لوكالة "رويترز"، إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تباعداً في بعض المصالح بين الرياض وأبوظبي في ملفات اقتصادية وسياسية، من بينها حصص إنتاج النفط داخل تحالف "أوبك+"، إضافة إلى التنافس على النفوذ الإقليمي، قبل أن تبلغ الخلافات ذروتها مع الأزمة اليمنية، على خلفية دعم أبوظبي للمجلس الانتقالي الجنوبي.

وانعكس ذلك أيضاً في المشهد الإعلامي، حيث تحولت منصة "إكس" خلال تلك الفترة إلى ساحة سجال بين حسابات سعودية وإماراتية، بعدما كانت الخلافات بين البلدين تُدار تقليدياً بعيداً عن الأضواء.

كما ركزت وسائل إعلام سعودية رسمية، وفي مقدمتها قناة "الإخبارية"، على انتقاد بعض السياسات الإماراتية في ملفات إقليمية، بينما حافظت أبوظبي رسمياً على خطاب أكثر هدوءاً، في حين تولى إعلاميون وحسابات إماراتية بارزة الرد على الانتقادات عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وامتد الجدل إلى الملف اليمني، خصوصاً مع تصاعد الاتهامات بشأن دور الإمارات في الجنوب، وإثارة قضايا مثل السجون السرية، ومنها ما عُرف إعلامياً بملف "سجن الضبة" في حضرموت، وهي اتهامات نفتها أبوظبي، في وقت حظيت فيه بتغطية واسعة في وسائل إعلام سعودية.

وبينما أظهرت الأشهر الماضية وجود تباينات في بعض الملفات، فإن الرسائل الرسمية المتبادلة خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع تهديدات الحوثيين للسعودية، عكست تمسك الرياض وأبوظبي بالحفاظ على شراكتهما الاستراتيجية، وتقديمها باعتبارها ركيزة أساسية لأمن واستقرار المنطقة، رغم استمرار اختلاف وجهات النظر في بعض القضايا الإقليمية.

ورغم الرسائل الرسمية التي أكدت متانة العلاقات بين الرياض وأبوظبي، فإن التباينات المرتبطة بالملف اليمني، وفي مقدمتها استمرار دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، لا تزال تلقي بظلالها على العلاقة بين البلدين. ومع تصاعد التهديدات الإيرانية والحوثية لأمن الخليج والممرات البحرية، يبقى التساؤل مطروحاً حول ما إذا كانت المصالح الاستراتيجية المشتركة ستظل قادرة على احتواء تلك الخلافات وتغليب منطق الشراكة على تباين المواقف.