تناولت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في تقرير موسع الكيفية التي تحاول بها أبوظبي إدارة علاقتها مع إيران بعد الحرب الأخيرة، عبر انتهاج سياسة تقوم على إعادة الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي على طهران، مع الإبقاء في الوقت ذاته على تحالفها الأمني والعسكري الوثيق مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، في مسعى لحماية مكانتها الاقتصادية والإقليمية.

وبحسب الصحيفة، فإن أبوظبي تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين احتواء التهديد الإيراني واستثمار أي فرصة لخفض التوتر، وبين تعزيز قدراتها الدفاعية وشراكاتها الأمنية تحسبًا لأي تصعيد جديد في المنطقة.

وأشارت فايننشال تايمز إلى أن الحياة الاقتصادية في الإمارات بدأت تستعيد وتيرتها تدريجيًا بعد أشهر من الاضطرابات التي صاحبت المواجهة العسكرية مع إيران، إذ عادت المؤسسات المالية في دبي إلى العمل، واستؤنفت حركة الطيران والرحلات البحرية القادمة من إيران، كما سمحت السلطات بعودة آلاف المقيمين الإيرانيين الذين غادروا خلال فترة التصعيد.

ورأت الصحيفة أن هذه الخطوات تعكس رغبة متبادلة لدى الجانبين في احتواء آثار الحرب والعودة إلى مسار العلاقات الاقتصادية، بعد الأزمة التي وصفتها بأنها الأكبر التي تواجهها الإمارات منذ قيام الاتحاد عام 1971.

من المواجهة إلى التهدئة

ووفق التقرير، كانت أبوظبي من أكثر دول الخليج تعرضًا لتداعيات المواجهة مع إيران، إذ واجهت خلال الأشهر الأولى آلاف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، قبل أن تنتقل تدريجيًا، مع بدء سريان وقف إطلاق النار، من مرحلة المواجهة العسكرية إلى سياسة تهدف إلى احتواء التوتر وإعادة بناء قنوات التواصل مع طهران.

وتقول الصحيفة إن هذا التحول يعكس مقاربة إماراتية تقوم على البراغماتية السياسية، إذ تدرك القيادة الإماراتية أن موقع الدولة كمركز مالي وتجاري وسياحي يجعل استقرارها أولوية تتقدم على استمرار المواجهة.

ولفتت فايننشال تايمز إلى أن مذكرة التفاهم التي رعتها الولايات المتحدة بين واشنطن وطهران، والتي نصت على تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، دفعت أبوظبي إلى تسريع خطوات إعادة العلاقات الاقتصادية مع إيران.

وأوضحت أن ذلك شمل استئناف بعض الرحلات الجوية والتبادل التجاري، بالتزامن مع تعافي صادرات النفط الإماراتية وعودة النشاط التجاري تدريجيًا.

لكن الصحيفة أكدت أن المسؤولين الإماراتيين يدركون أن هذا المسار لا يزال هشًا، خاصة بعد تجدد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران واستهداف ناقلتي نفط إماراتيتين في مضيق هرمز عقب إعلان طهران إعادة إغلاقه.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إماراتي رفيع قوله إن الانفتاح على إيران لا يعني التخلي عن الاستعداد العسكري، وإنما يندرج ضمن استراتيجية تقوم على إدارة العلاقة مع الخصم عبر الدبلوماسية والاقتصاد، مع الاستمرار في تعزيز القدرات الدفاعية تحسبًا لأي تطورات.

وأضاف المسؤول، بحسب الصحيفة، أن الإمارات تسعى إلى الجمع بين الحوار والردع في آن واحد، معتبرًا أن تجاوز تداعيات الحرب يتطلب جهودًا مستمرة وليس مجرد إعلان سياسي.

تحرك دبلوماسي تقوده القيادة الإماراتية

وذكرت "فايننشال تايمز" أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة أوكل ملف خفض التصعيد مع إيران إلى ثلاثة من أشقائه، هم الشيخ منصور بن زايد، والشيخ عبد الله بن زايد، والشيخ طحنون بن زايد.

وأشارت إلى أن الاتصالات السياسية بدأت بعد أيام من تثبيت وقف إطلاق النار، من خلال اتصالات هاتفية أجراها مسؤولون إماراتيون مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في إطار إعادة تنشيط قنوات التواصل بين البلدين.

ويرى التقرير أن القيادة الإماراتية لا تزال تعتبر إيران مصدرًا رئيسيًا للتهديد الأمني، إلا أنها توصلت إلى قناعة بأن استمرار الصراع المفتوح لن يخدم مصالحها الاقتصادية.

ونقلت الصحيفة عن الأكاديمي عبد الخالق عبد الله قوله إن طهران هي التي بادرت بطلب الحوار، مضيفًا أن رفض هذا المسار سيكون "غير منطقي"، لأن الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء نفوذ الحرس الثوري.

كما نقلت عن دبلوماسيين ومحللين أن أبوظبي كانت تأمل في أن تؤدي الحرب إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بصورة أكبر، لكنها وجدت نفسها في نهاية المطاف مضطرة للتعامل مع واقع بقاء النظام الإيراني دون هزيمة حاسمة.

المصالح الاقتصادية حاضرة

وأكدت فايننشال تايمز أن الاعتبارات الاقتصادية تمثل أحد أهم دوافع الانفتاح الإماراتي على إيران، مشيرة إلى أن دبي تحتضن واحدة من أكبر الجاليات الإيرانية في المنطقة، كما تمثل بوابة رئيسية للتجارة الإيرانية مع العالم.

وأضافت أن الإمارات تأمل في أن يؤدي اعتماد الاقتصاد الإيراني على موانئها وخدماتها اللوجستية إلى خلق مصالح متبادلة تسهم في الحفاظ على الاستقرار بين الجانبين.

وأوضحت الصحيفة أن مسؤولين إماراتيين نفوا وجود تحويلات مالية إلى إيران، لكنهم أقروا بوجود اهتمام مستقبلي بالاستثمار في قطاعات الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية إذا رُفعت العقوبات الدولية وانتهت الحرب بصورة نهائية.

شراكة أمنية تتعمق مع "إسرائيل"

ورغم الانفتاح على طهران، تقول "فايننشال تايمز" إن الإمارات لا تعتزم تقليص تعاونها الدفاعي مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، بل تعمل على تعزيزه بصورة أكبر.

وأشارت إلى أن "إسرائيل" سارعت، خلال الحرب، إلى عرض تزويد الإمارات بمنظومات دفاع جوي متقدمة، من بينها "القبة الحديدية" و"الشعاع الحديدي"، كما شهد التعاون الأمني والتقني بين البلدين توسعًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية، والموانئ، والبنية التحتية.

وأضافت الصحيفة أن السفارة الإسرائيلية في أبوظبي تتجه إلى توسيع حجمها لتصبح من أكبر البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في المنطقة.

ورأت الصحيفة أن العلاقات الإماراتية الإسرائيلية تجاوزت التوترات التي ظهرت خلال الحرب في غزة، رغم الانتقادات التي وجهها بعض المسؤولين الإماراتيين، بصورة غير معلنة، لسياسات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وأشارت إلى أن أبوظبي ما زالت تعتبر اتفاقيات "أبراهام" جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها الإقليمية، وترى في التعاون مع "إسرائيل" عنصرًا مهمًا في منظومة أمنها القومي.

الدور الأمريكي

وأكد التقرير أن الحرب الأخيرة عززت قناعة الإمارات بأهمية المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة بعد مشاركة القوات الأمريكية، إلى جانب أنظمة دفاع غربية وإسرائيلية، في التصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

وأضافت الصحيفة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب كافأت الإمارات لاحقًا بتسهيل حصولها على معدات عسكرية متقدمة ورقائق إلكترونية خاصة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تقديرًا لما وصفته واشنطن بدور أبوظبي في دعم المصالح الأمريكية خلال الأزمة.

واختتمت فايننشال تايمز تقريرها بالقول إن الإمارات تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها فترة "لا حرب ولا سلام"، وهو ما يدفعها إلى الاستثمار بصورة أكبر في مفهوم "المرونة" لمواجهة أي اضطرابات مستقبلية.

وأوضحت أن أبوظبي تدرس تعزيز حماية منشآتها الحيوية عبر إنشاء بنية تحتية أكثر تحصينًا، بما يشمل خطوط أنابيب النفط ومراكز البيانات، إضافة إلى تطوير مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزيز مخزونها الاستراتيجي من الغذاء والسلع الأساسية.

كما أشارت الصحيفة إلى أن الاقتصاد الإماراتي، رغم بدء تعافيه، لا يزال يواجه تحديات ناجمة عن الحرب، من بينها تراجع الإيرادات السياحية وخروج بعض رؤوس الأموال، معتبرة أن الأشهر المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة الدولة على استعادة ثقة المستثمرين والسياح في ظل استمرار حالة عدم اليقين الإقليمي.