عندما انهار اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الشهر الماضي، استأنفت طهران وحلفاؤها شن هجمات على دول الخليج، باستثناء دولة واحدة؛ إذ نجت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تحمّلت العبء الأكبر من ضربات الصواريخ والطائرات المسيرة في الجولة الأولى، من تلك الهجمات إلى حد كبير.

وقد يُعزى هذا الهدوء النسبي إلى جهود مسؤول الاستخبارات الإماراتي ورجل المهام الصعبة الشيخ طحنون بن زايد، شقيق رئيس الدولة. ويُعد الشيخ طحنون، الذي زار طهران عام 2021، رجل بلاده المحوري في إدارة الملف الإيراني. وهو حائز على الحزام الأسود في رياضة الجيوجيتسو البرازيلية، ويدير أصولاً سيادية تُقدر بنحو تريليون دولار إلى جانب إمبراطورية أعمال واسعة.

وكانت رسالة الإمارات إلى إيران واضحة وصريحة: إنها قادرة تماماً على الدفاع عن نفسها، بل وتوجيه ضربات في العمق الإيراني كما فعلت خلال الحرب رداً على الهجمات الإيرانية، لكنها تظل منفتحة على استئناف النشاط التجاري في حال توقف الصواريخ والمسيّرات. فعلى مدى عقود، شكّلت الإمارات الرئة المالية لإيران، مما أتاح لها التنفس تحت وطأة العقوبات الغربية الخانقة.

وخلال الأسابيع الأخيرة، نفت الإمارات تقارير أفادت بإلغاء تجميد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية لحماية نفسها من الجولة الثانية لصواريخ ومسيّرات طهران، والتي استهدفت قواعد أمريكية وبنية تحتية في الأردن والبحرين والكويت، بالتزامن مع استهداف حلفاء إيران في العراق للمملكة العربية السعودية.

غير أنه لم يكن بوسع أحد إنكار استمرار معاملات أخرى حتى الأسبوع الماضي، حين أعلنت الإمارات قطع جميع علاقاتها الاقتصادية والمالية مع إيران. وكان هذا الإجراء ظاهرياً رداً على هجوم صاروخي إيراني فاشل، إلا أنه جاء بعد ساعات فقط من اتصال هاتفي أجراه الرئيس ترامب مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حثه فيه على تشديد العقوبات.

هل تصل أبوظبي إلى قطع التبادل التجاري؟

ولفرض عزلة اقتصادية تامة على إيران، يتعين على كل من الإمارات والصين قطع التبادل التجاري معها. وفي هذا السياق، قال فرزان ثابت، الخبير في الشأن الإيراني بمعهد جنيف للدراسات العليا: "أرجّح أنه بعد الصين، التي تعد مركزاً رئيسياً للتصدير وتحتفظ بقدر كبير من الأموال الإيرانية، تُمثّل الإمارات على الأرجح المركز التجاري الثاني، أو مركز الالتفاف التجاري، لإيران".

كما باتت الإمارات، التي يقيم فيها أكثر من 100 ألف إيراني، وجهة جاذبة لرجال الأعمال الإيرانيين، الذين يرتبط بعضهم بالنظام وساهموا في مساعدته على التهرب من العقوبات.

وأوضح ثابت: "هناك العديد من الشخصيات النخبوية المقربة من النظام ممن يتخذون من الإمارات ملاذاً آمناً لأنفسهم وأموالهم وعائلاتهم". ويُزعم أن من بين هؤلاء علي أنصاري، الذي فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه الشهر الماضي؛ إذ يُتهم أنصاري، المقيم في دبي، بإنشاء إمبراطورية عقارية تمتد عبر الإمارات وبريطانيا وأوروبا لصالح النظام بهدف نقل الأموال وغسلها.

وأضاف ثابت: "إنه أحد تلك الشخصيات المقربة من النظام والمنخرطة في شبكة الالتفاف على العقوبات؛ إنهم رجال المال الحقيقيون".

ويبقى التساؤل قائماً عما إذا كانت الإمارات ستمضي قدماً في تنفيذ تهديدها بقطع شريان الحياة عن إيران، في ظل موازنة الدولة بين مصالحها ومطالب الولايات المتحدة.

تهديد أمريكي

وكان وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، قد صرح يوم الإثنين بأن الدول التي "ما زالت تموّل التهديد الإيراني على أمل تجنبه" ترتكب خطأً جسيماً.

وقال بيسنت: "لم يعد مقبولاً العمل في المساحات الرمادية لهذا الصراع. ولا يمكن للدول أن تدّعي جهلها بتسهيل هذا النشاط".

وأضاف: "إن ممكّني إيران يشترون نفطها وينقلونه، ويسهلون تدفق أموالها عبر شركات الصرافة ومناطق التجارة الحرة".

وقد أثارت الهجمات الإيرانية خلال الحرب غضب الإمارات، التي تفاخر بتعدديتها الثقافية ونهجها الاقتصادي الحر، بعدما بدت تلك الضربات وكأنها تستهدف تدمير اقتصادها. وإلى جانب الرد بضربات جوية، أغلقت أبوظبي شركات صرافة تتولى تحويلات مالية كبرى واعتُبرت مرتبطة بالنظام الإيراني، كما أغلقت مستشفى في دبي ممولاً من إيران.

ومع ذلك، اتخذت الإمارات تدابير تحوطية تحسباً لبقاء النظام في طهران، حيث واصلت مد غصن الزيتون لإيران من خلال عدم خنق كافة مصالحها التجارية في الدولة.

وتاريخياً، قاومت الإمارات الضغوط الأمريكية لتشديد الخناق على خصوم واشنطن، بما في ذلك روسيا.

وقال عبد الخالق عبدالله، الأكاديمي البارز في العلوم السياسية: "أعتقد أن الإمارات تجري حواراً إيجابياً للغاية مع كلا الجانبين".

وأضاف: "إنهم يتواصلون مع واشنطن بشأن كافة القضايا، بما في ذلك التحرك الأمريكي الأخير ضد إيران، وأعتقد أن الرئيس الإماراتي والرئيس ترمب قد تباحثا حول هذا الموضوع".

ورغم أن الإمارات باتت أكثر حذراً وتوجساً من جارتها عقب الحرب، فقد أضاف عبد الله أن "الإيرانيين يدركون... أننا سنظل دائماً متمسكين باستقلاليتنا في التعامل معهم".