دخل "قانون المعاملات المدنية الاتحادي الجديد" في دولة الإمارات (المرسوم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2025) حيز التنفيذ رسمياً في الأول من يونيو 2026، مستهدفاً إحداث إصلاح شامل وغير مسبوق للمنظومة التشريعية المدنية والتجارية منذ أكثر من أربعة عقود.
ويفرض القانون حزمة من الالتزامات الجوهرية الجديدة على المستثمرين، المطورين، والمؤسسات التمويلية، مما يغير بشكل جذري آليات التفاوض وصياغة العقود التجارية والعقارية وإجراءات الفحص النافي للجهالة، وسط تحذيرات قانونية للشركات من مغبة الاعتماد على النماذج التعاقدية التقليدية دون مراجعة شاملة لتجنب المخاطر القانونية والمالية في البيئة الاستثمارية الإقليمية.
يمثل هذا القانون الجديد البديل الشامل لقانون المعاملات المدنية القديم (رقم 5 لسنة 1985)، ولا يقتصر أثره على كونه تحديثاً تشريعياً عادياً، بل إنه يؤسس لمرحلة جديدة في كيفية إبرام وتنفيذ وإنفاذ الصفقات العقارية والتجارية.
وتتوزع التأثيرات العملية للقانون على كامل دورة حياة المعاملات: بدءاً من المفاوضات الأولية، مروراً بالصياغة والتدقيق، وصولاً إلى التسوية وحل النزاعات.
ونشر موقع دينتونز شركة المحاماة العالمية تقريراً لخبرائها حول القانون الجديد ينشر "الإمارات 71" أهم ما جاء فيها.
التزامات صارمة في مرحلة "ما قبل التعاقد"
أدخل المشرّع الإماراتي تعديلات حاسمة على البيئة التنظيمية التي تحكم المفاوضات الأولية، حيث بات مبدأ "حسن النية" ملزماً ليس فقط أثناء تنفيذ العقد، بل وخلال فترة المفاوضات وفي حالات التراجع عنها؛ إذ سيتحمل الطرف الذي يثبت تصرفه بسوء نية المسؤولية الكاملة عن الخسائر التي تلحق بالطرف الآخر، حتى وإن لم يتم التوقيع على اتفاقية نهائية ملزمة.
ولا يطبق القانون المدني الجديد بأثر رجعي، إذ تظل المعاملات السارية قبل 1 يونيو 2026 خاضعة لأحكام القانون المدني القديم، مع مراعاة القواعد الانتقالية. ومع ذلك، فإن تغيير الترتيبات القديمة أو تجديدها قد يؤدي إلى تطبيق القانون المدني الجديد؛ لذا يتعين على الأطراف التي تنظر في إجراء تعديلات أو تجديدات أو إعادة هيكلة للترتيبات القائمة تقييم ما إذا كانت هذه التغييرات قد تدخل المعاملة في نطاق القانون الجديد، والتحقق مما إذا كانت وثائقها لا تزال مناسبة في هذه الحالة.
كما تم تشديد قواعد الإفصاح والسرية، حيث أصبح لزاماً على أي طرف يمتلك معلومات حاسمة تؤثر على رضا وقبول الطرف الآخر أن يفصح عنها طالما كانت حيازة الطرف الآخر لهذه المعلومات مبنية على الثقة والافتراض.
وفي سياق متصل، حظر القانون استخدام أو تسريب المعلومات السرية التي يتم الحصول عليها أثناء المفاوضات دون إذن مسبق، مما سيرتب مسؤوليات قانونية مباشرة على المخالفين. وتفرض هذه القواعد على الشركات إعادة النظر في صياغة مذكرات التفاهم (MOUs) ورسائل النوايا والاتفاقيات الأولية.
توازن جديد في تفسير عقود "الإذعان" والتعويضات
يقدم القانون حماية إضافية للطرف الأضعف في "عقود الإذعان" (العقود النمطية التي تفرضها جهة واحدة دون إتاحة فرصة للتفاوض على شروطها). ووفقاً للقواعد الجديدة، لن تُفسر البنود الغامضة ضد الطرف المجبر على قبولها، مما يستدعي من المؤسسات والشركات العقارية الكبرى التخلي عن صياغة العقود أحادية الجانب والاتجاه نحو صياغات أكثر دقة وتوازناً.
أما بخصوص التعويضات الاتفاقية (الشرط الجزائي)، فقد وضع القانون إطاراً أكثر هيكلية يتيح للمحاكم تعديل هذه التعويضات بالخفض إذا ثبت أن المدين قد نفذ جزءاً من التزاماته، أو إذا تبين أن سلوك الدائن قد ساهم في وقوع الضرر. وفي المقابل، تم تضييق نطاق رفع قيمة التعويض عن الحد المتفق عليه، حيث يشترط الآن إثبات ارتكاب المدين لـ "الغش أو الخطأ الجسيم" لكي تتدخل المحكمة لزيادة التعويض.
تمديد مهلة "العيوب الخفية" وتغييرات في الضمانات وعقود الإيجار
شهدت أحكام الضمانات والعيوب والملكية العقارية حزمة من التحديثات التنفيذية الهامة:
- دعاوى العيوب الخفية: تم تمديد الحد الأقصى لرفع الدعاوى المتعلقة بالعيوب الخفية على المستوى الاتحادي من ستة أشهر إلى عام كامل، ما لم يتفق الأطراف على مدة أطول.
- الضمانات والكفالات: باتت الأحكام الجديدة أقل محاباة للمستفيدين؛ إذ يُلزم القانون الدائن بملاحقة وتتبع أموال المدين الأصلي أولاً واستنفاذها قبل الانتقال للتنفيذ على أموال الكفيل (الضمان الطرف الثالث). كما نص القانون على أن التأمين أو الودائع الممنوحة من المستأجر تنتقل تلقائياً عند تجديد عقد الإيجار، بينما لا تنتقل الضمانات المقدمة من أطراف ثالثة إلا باتفاق جديد.
- حقوق المساطحة والتطوير طويل الأجل: فرض القانون توثيق عقود المساطحة وتسجيلها لدى السلطات المختصة كشرط لصحتها، واعتبر أي تصرف غير مسجل باطلاً.
كما تم إلغاء الحد الأقصى للمدة البالغة 50 عاماً على المستوى الاتحادي، مع بقاء الحدود المحلية لكل إمارة (مثل أبوظبي ودبي) نافذة ضمن نطاقها الاقتصادي. وأقر القانون صيرورة ملكية التحسينات المعتمدة لصالح صاحب الأرض عند انتهاء العقد دون التزام بالتعويض، ما لم ينص الاتفاق على غير ذلك.
منح القانون الجديد حائزي العقارات (لمدة لا تقل عن سنة) حق اللجوء إلى القضاء للمطالبة بـ وقف الأعمال الجديدة التي تهدد حيازتهم أو تضر بها، وهي أداة بالغة الأهمية للمطورين ومديري المشاريع أثناء التخطيط لعمليات البناء المحاذية للعقارات المأهولة.
يأتي هذا التحول التشريعي الجذري كخطوة استراتيجية من أبوظبي لتعزيز التنافسية الاستثمارية للاقتصاد الإماراتي وتحديث بيئة الأعمال بما يتماشى مع أرقى الممارسات الدولية، واضعاً حداً لعمل الأحكام التقليدية التي استمرت منذ عام 1985.
وتكتسب هذه التعديلات أهمية بالغة لشبكات المال والأعمال ورجال الأعمال في المنطقة، بما في ذلك الاستثمارات والشركات الخليجية واليمنية التي تتخذ من الأسواق الإماراتية مركزاً حيوياً لإدارتها وعملياتها العقارية والتجارية.