قالت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في تحقيق أعدته كاثرين هوارليد، إن نحو ألفي مرتزق كولومبي وصلوا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، ضمن عملية قالت الصحيفة إنها جرت عبر شركة أمنية خاصة مقرها الإمارات، وتضمنت التدريب والنقل والإمداد للمقاتلين.

وأوضحت الصحيفة أن عدداً من هؤلاء المقاتلين كانوا من قدامى القوات الخاصة أو خاضوا مواجهات مع جماعات مسلحة في أدغال أميركا الجنوبية، فيما عمل بعضهم سابقاً لدى عصابات مخدرات، لكن تجربتهم في السودان عرّضتهم لمستويات من العنف والقتل وصفها أحدهم بأنها مختلفة تماماً عما عرفوه من قبل.

وبحسب التحقيق، وصل هؤلاء إلى السودان في عام 2024، بينما كانت الحرب الأهلية قد حولت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وبعد حصار استمر 18 شهراً، سقطت مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، وسط تقارير عن عمليات قتل جماعي، فيما أعلنت الأمم المتحدة وقوع أعمال إبادة جماعية، وقدرت إحدى منظمات حقوق الإنسان عدد القتلى بعشرات الآلاف.

ونقلت الصحيفة عن أحد المقاتلين، ويدعى لويس، وصفه للمشهد في الفاشر بعد وصوله إليها، قائلاً إن الشوارع كانت خالية بصورة مخيفة، وإن الجثث كانت منتشرة في المدينة، فيما ظل الدخان يتصاعد من محارق الجثث لأسابيع.

حرب السودان وتدخل القوى الإقليمية

وتستعرض فايننشال تايمز خلفية الحرب بين قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو حميدتي، والتي بدأت بعد انهيار التعاون بين الرجلين وتحول الخلاف إلى مواجهة مفتوحة في 15 أبريل 2023.

ومع اتساع رقعة القتال وانضمام ميليشيات إلى طرفي الصراع، اتخذت الحرب منحى عرقياً، فيما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قوات الدعم السريع بسبب ارتكابها فظائع واسعة النطاق، بينها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية ضد جماعات غير عربية.

كما فرضت واشنطن عقوبات على الجيش السوداني بسبب غارات جوية استهدفت بنى تحتية محمية، بينها مستشفيات، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، واستخدام الأسلحة الكيميائية.

وأدى القتال والمجاعة الناجمة عنه إلى نزوح نحو 15 مليون شخص، فيما قدرت الولايات المتحدة بعد السنة الأولى من الحرب عدد القتلى بنحو 150 ألفاً، قبل أن تتوقف لاحقاً التقديرات الدقيقة لأعداد الضحايا مع دخول الحرب عامها الرابع.

وتقول الصحيفة إن الصراع استقطب قوى إقليمية، إذ زودت إيران وتركيا الجيش السوداني بالأسلحة، في حين عُثر على أسلحة إماراتية في مخازن قوات الدعم السريع. كما تدفق مقاتلون ومرتزقة من ليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا ودول أخرى.

شركة أمنية إماراتية في قلب العملية

وبحسب التحقيق، كان لويس واحداً من نحو ألفي كولومبي وصلوا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، وقال إن الأشخاص الذين جلبوه إلى البلاد يعملون لدى شركة مجموعة الخدمات الأمنية العالمية (GSG)، وهي شركة أمنية خاصة مقرها الإمارات ويديرها جنوب أفريقيون، وتزعم الصحيفة وجود صلات لها بالسلطات الإماراتية.

ولم تستجب الشركة لطلبات فايننشال تايمز للتعليق، فيما نفت الإمارات مراراً منذ اندلاع الحرب تقديم الدعم لقوات الدعم السريع أو التورط في تجنيد المرتزقة.

وأجرت الصحيفة مقابلات مع لويس وستة مقاتلين كولومبيين آخرين، قدموا تفاصيل عن تنظيم الوحدات، وقادتها، وآليات دفع الرواتب، والمهام التي كُلفوا بها، إلى جانب طرق نقلهم إلى مناطق القتال.

وقال المقاتلون إن نقلهم تم عبر شبكة من الطائرات والمطارات السرية في دول ترتبط بعلاقات وثيقة مع الإمارات، من مدينة الكفرة شرقي ليبيا، مروراً ببونتلاند شمال الصومال، وصولاً إلى الجناح العسكري في مطار تشاد.

وقالت الصحيفة إن روايات المقاتلين تدعمها قوائم ركاب الرحلات وسجلات الهجرة والسفر لعدد كبير من الكولومبيين، إلى جانب مقاطع فيديو وصور التقطها شهود وتحليل بيانات تتبع الأجهزة وشهادات من سودانيين.

ونقلت عن مانويل، وهو مرتزق سابق بارز، أنه تلقى تدريبات في الكفرة، ثم عمل مع مقاتلين من جنوب أفريقيا وأوكرانيا في دارفور عام 2024.

تجنيد من كولومبيا وتدريب في الإمارات

وترى "فايننشال تايمز" أن الإمارات ضخت أكبر قدر من الأموال والموارد في الصراع، وأنها زودت قوات الدعم السريع بالأسلحة، مشيرة إلى مصالح إماراتية واسعة في السودان، تضررت بسبب الحرب، بما في ذلك استثمارات في الذهب والزراعة وصفقة ميناء، ضمن مساعي أبوظبي لتوسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر والتحكم في الطرق البحرية.

وتضيف الصحيفة أن الإمارات تبرر موقفها أيضاً بما تصفه بخطر الإسلاميين وتحالف الجيش السوداني مع جماعة الإخوان المسلمين، بينما تربطها علاقة طويلة الأمد بحميدتي، الذي سبق أن أرسل آلاف المرتزقة السودانيين للقتال في اليمن نيابة عن الإمارات.

وبالنسبة إلى الكولومبيين، تقول الصحيفة إن الدافع كان أكثر بساطة، إذ نقلت عن مانويل قوله: المال الإماراتي يشتري الكثير من الضمير.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحرب السودانية جذبت منذ بدايتها مرتزقة وعناصر مسلحة من جهات مختلفة، بينها عملاء مجموعة فاغنر الروسية، ومشغلو طائرات مسيرة أوكرانيون عملوا لصالح طرفي النزاع، ومقاتلون مستقلون من منطقة الساحل.

لكن العملية الكولومبية، وفق التحقيق، كانت الأكبر والأكثر تنظيماً وفاعلية، وبدأ التجنيد لها في كولومبيا منتصف عام 2024، عندما تلقى مقاتلون سابقون عروضاً عبر تطبيق واتساب من أصدقاء ورفاق سابقين.

وقالت الصحيفة إن شركة GSG التي قال المقاتلون إنهم تعاقدوا معها، كانت تصف نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها المزود الوحيد لخدمات الأمن الخاصة المسلحة لحكومة أبوظبي.

ثلاث كتائب ومئات المقاتلين

وقال مانويل إن المرتزقة الكولومبيين جرى تنظيمهم في ثلاث كتائب، وإنه وصل إلى السودان في أكتوبر 2024 مع الكتيبة الأولى بهدف إنشاء موطئ قدم للإمدادات.

وأضاف أن لويس كان ضمن الكتيبة الثانية، التي نُقلت عبر قاعدة ممولة إماراتياً في بوصاصو شمال الصومال على متن طائرة روسية قديمة، بينما كانت الكتيبة الثالثة في الخطوط الأمامية للمشاركة في معركة الفاشر.

وقال مقاتل يدعى كارلوس إن نحو 300 متخصص تلقوا تدريباً سرياً على الطائرات المسيرة والأسلحة المضادة للطائرات في الإمارات بين يناير وأكتوبر 2025، قبل نقلهم إلى السودان.

وأضاف أنه أمضى نحو ثلاثة أشهر في الإمارات، وهي رواية أكدها مقاتلان آخران قالا إنهما شاركا أيضاً في التدريب، إلى جانب تحليل بيانات تتبع الهواتف أجرته شركة كونفليكت إنسايتس غروب (CIG) الأميركية، وتقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش حدد قاعدتين عسكريتين إماراتيتين استناداً إلى منشورات للمرتزقة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال جاستن لينش، رئيس مركز CIG، إن الإمارات مولت ودربت مرتزقة دعموا سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، مضيفاً أن هؤلاء المقاتلين كانوا موجودين عند سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة وارتكاب بعض من أبشع عمليات القتل في هذا القرن.

وأضاف لينش أن تدريب بعض المرتزقة في قاعدة إماراتية مستحيل دون موافقة الحكومة، وأن السجل الرقمي يربط معسكر التدريب في أبوظبي بالمقابر الجماعية في الفاشر.

غياثي وبوصاصو مساران للمرتزقة

وتقول الصحيفة إن شركة GSG أسسها في عام 2016 شخص يعمل في الديوان الرئاسي الإماراتي، فيما يصفها موقعها الإلكتروني بأنها شركة أمنية خاصة مستقلة.

وقال أحد المرتزقة إنه رغم كون GSG شركة خاصة، فإن طاقم التدريب في الإمارات كان يبدو له من الجيش الإماراتي.

وأوضح أن مقاتلين كولومبيين تلقوا التدريب في قاعدة بمدينة غياثي في أبوظبي، والتي وصفتها لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة عام 2021 بأنها معسكر عسكري سبق أن درب مرتزقة سودانيين استأجرتهم شركة بلاك شيلد الإماراتية، تحت إشراف ضباط عسكريين إماراتيين.

وقال أحد المقاتلين إن المدربين كانوا إماراتيين، بينما ذكر آخر أنه تلقى التدريب على يد عرب دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وأكد مانويل أن بعض زملائه تلقوا تدريباً على الطائرات المسيرة في غياثي، فيما حددت هيومن رايتس ووتش القاعدة ومنشأة عسكرية يُعتقد أنها تقع في منطقة الوثبة بأبوظبي، اعتماداً على لقطات نشرها كولومبيون عبر حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

رواتب ومهام وشبكة نقل

وقال لويس إن كل كتيبة كانت مقسمة إلى سرايا يقود كل منها رائد، وتتكون السرية من ثلاث فصائل، تضم كل واحدة 31 عنصراً، إلى جانب ثلاثة مشرفين وقائد.

وبحسب روايته، كان المقاتل يتقاضى 2600 دولار شهرياً، بينما يحصل المشرفون على 2800 دولار والضباط على 3500 دولار. وأضاف أن الكتيبة الثانية ضمت نحو 400 رجل، بأعداد مماثلة في الكتيبتين الأخريين.

وكانت قاعدة بوصاصو في الصومال محطة رئيسية في هذه العملية، إذ تدير الإمارات قاعدة عسكرية هناك تضم حظيرة طائرات مغطاة في مطار بوصاصو الدولي.

ووصف أحد المقاتلين، ويدعى رودريغو، القاعدة بأنها مركز لوجستي وطبي، وقال إنه تدرب فيها وإنها كانت "مركزاً للمرتزقة الذين يرسلون إلى السودان وأجزاء أخرى من أفريقيا حيث تدور الصراعات.

وأضاف: عندما وصلت، كان هناك أفارقة وجنوب أفريقيون، وأمريكيون لاتينيون وكولومبيون وبيروفيون ومكسيكي وغواتيمالي. كان حوالي 200 شخص يخضعون للتدريب.

وقال لويس إن قاعدة بوصاصو استُخدمت أيضاً لتخزين جثث المرتزقة الذين قتلوا خلال العمليات، مضيفاً: بعض الرفاق الذين لقوا حتفهم موجودون في ثلاجات في بوصاصو منذ أكثر من ستة أشهر.

وأشارت الصحيفة إلى أن سجلات الوفاة الرسمية لثلاثة كولومبيين، بتاريخ 1 نوفمبر 2024، تقول إنهم قتلوا جراء "انفجار غاز" في بونتلاند، بينما ذكر مرتزقان آخران أنهما كانا يعملان مشغلي طائرات مسيرة وقُتلا أثناء العمليات.

وقال لويس: ينقل المصابون إلى بوصاصو، يتعافون ثم يعودون إلى بلادهم.

وجود كولومبيين في الفاشر

وقال عدد من الكولومبيين الذين تحدثوا إلى الصحيفة إنهم يعرفون زملاء لهم كانوا موجودين في الفاشر، لكنهم نفوا مشاركتهم في عمليات قتل المدنيين.

وقال لويس إنه وصل إلى المدينة بعد انتهاء القتال، وأصر على أن الكولومبيين لم يشاركوا في الجرائم التي وثقتها منظمات حقوق الإنسان، ومنها قتل المرضى في المستشفيات والاغتصاب الجماعي وعمليات الخطف التي ترافقت مع إعدامات، ودهس المدنيين الفارين بالمركبات المدرعة.

لكن الصحيفة أشارت إلى أن ذلك لا يعني عدم تدخلهم في العمليات، ونقلت عن هيومن رايتس ووتش مقابلة مع أحد الناجين من الفاشر قال فيها إن رجالاً بيضاً كانوا حاضرين عندما أُعدم مدنيون، بينهم نساء وأشخاص من ذوي الإعاقة، أثناء محاولتهم عبور جدار ترابي ضخم أقامته قوات الدعم السريع حول المدينة لمنع السكان من الفرار.

بيانات التتبع ترصد مسارات الحركة

وللتحقق من بعض المعلومات التي وردت في التحقيق، تتبعت شركة CIG أجهزة اتصال باستخدام تقنيات متاحة تجارياً، بينها ملفات تعريف الارتباط المجهولة على الهواتف المحمولة.

وأظهر التحليل حركة مستمرة بين الإمارات ومراكز الدعم المرتبطة بها، بما في ذلك بوصاصو والكفرة ومدن سودانية مثل نيالا والفاشر.

وقالت الصحيفة إن هذه الأنماط تدعم الادعاءات المتعلقة بتمرير الدعم عبر الصومال وليبيا ودول أخرى، رغم حظر الأمم المتحدة توريد الأسلحة إلى دارفور.

وتتيح تقنية التتبع التي تستخدمها الشركة تحديد منطقة جغرافية، والبحث عن الأجهزة الموجودة فيها خلال فترة زمنية محددة، ثم تحليلها وفق إعدادات اللغة وتتبع تحركاتها.

ووفقاً للتحليل، ظهر ما لا يقل عن 40 جهازاً بإعدادات اللغة الإسبانية في قاعدة قوة شرطة بونتلاند البحرية، الممولة من الإمارات، بين أبريل وديسمبر من العام الماضي، فيما ظهر ما لا يقل عن عشرة من هذه الأجهزة في مطار نيالا بالسودان.

وفي ديسمبر الماضي، أفادت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود بأن الصراع السوداني امتد عبر الحدود ليهدد المنطقة، مستقطباً مقاتلين وأسلحة من مناطق بعيدة، الأمر الذي ساهم في انتشار الأسلحة وتوسع شبكات المرتزقة.

وقال عماد الدين بادي، معد التقرير، إن إدخال مقاتلين ذوي خبرة، مثل الكولومبيين، يمثل "تصعيداً خطيراً للحرب ويؤجج سباق تسلح إقليمياً".