تتجه شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" إلى تسريع تحولها من شركة نفط وطنية مملوكة للدولة إلى شركة طاقة عالمية أكثر قدرة على المنافسة، في وقت تعيد فيه أبوظبي ترتيب استراتيجيتها النفطية بما يضمن تعظيم الإنتاج وتأمين قنوات جديدة لتسويق الخام والحفاظ على وصول صادراتها إلى الأسواق، وفقًا لتقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز".
وقالت الصحيفة في تقرير بعنوان "إسبرطة الصغيرة تتحدى عالم النفط" إن تحركات "أدنوك" خلال الأشهر الثلاثة التي أعقبت خروج الإمارات من منظمة "أوبك" تشير إلى مسعى لتعظيم إنتاج النفط، وفتح قنوات جديدة للوصول إلى الأسواق بعد الاضطراب الكبير الذي أصاب الملاحة عبر مضيق هرمز، واستكمال تحول الشركة إلى قوة طاقة قادرة على المنافسة عالميًا.
وبحسب الصحيفة، فإن التحول لا يتعلق بالإنتاج وحده، بل بإعادة بناء منظومة "أدنوك" على نحو يمنح أبوظبي قدرة أكبر على التحكم في إنتاجها، وتسويق نفطها، وتوسيع أصولها الدولية، وتقليل تعرض صادراتها للمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بممرات التجارة الرئيسية.
ونقلت "فاينانشال تايمز" عن روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة "قمر للطاقة"، أن المرحلة الحالية تمثل امتدادًا للمسار الذي اتبعته "أدنوك" خلال السنوات الخمس أو الست الماضية، لكنه أصبح "أسرع وأكثر جرأة".
إنتاج أكبر بعد الخروج من أوبك
وترى الصحيفة أن خروج الإمارات من "أوبك" أطلق يد "أدنوك" بدرجة أكبر في تحديد مستويات الإنتاج، بعيدًا عن القيود والحصص التي كانت تفرضها عضوية المنظمة.
وأشارت إلى أن الشركة رفعت إنتاجها إلى مستوى قياسي في يونيو، بينما تقترب قدرتها الإنتاجية من 5 ملايين برميل يوميًا، مع وجود خطط لتجاوز هذا المستوى من خلال مشروعات جديدة بالشراكة مع شركات نفط عالمية.
وبحسب تحليل نقلته الصحيفة عن "وود ماكنزي"، فإن شركات النفط العالمية الكبرى زادت إنتاجها من النفط والغاز في الإمارات بنسبة 34% بين عامي 2020 و2025، فيما يتوقع أن يرتفع إنتاج الشركات الدولية العاملة في الإمارات بنحو 25% إضافية خلال السنوات العشر المقبلة.
وترى "فاينانشال تايمز" أن تحرر "أدنوك" من حصص "أوبك" يجعل المشروعات الجديدة أكثر جاذبية لشركات النفط العالمية، في وقت تسعى فيه أبوظبي إلى استثمار احتياطياتها النفطية على نطاق أوسع.
لكن هذا التوسع يحمل مخاطر أيضًا، إذ تحذر الصحيفة من أن زيادة إنتاج الإمارات والسعودية في الوقت نفسه قد تدفع أسعار النفط إلى الانخفاض، الأمر الذي قد يؤثر في ربحية الاستثمارات الجديدة، حتى مع انخفاض المخزونات العالمية خلال الحرب مع إيران، وهو ما يوفر، وفق التقرير، هامشًا لاستيعاب إنتاج إضافي في المدى القريب.
من النفط المحلي إلى شركة طاقة عالمية
ولا تقتصر استراتيجية أدنوك على زيادة إنتاج الخام، إذ يشير تقرير "فاينانشال تايمز" إلى توسع كبير للشركة في الأسواق الدولية وقطاعات الطاقة والبتروكيماويات.
فخلال السنوات الماضية، أنفقت "أدنوك" عشرات المليارات من الدولارات على التوسع خارج الإمارات، وعززت شراكاتها مع شركات الطاقة العالمية.
ومن أحدث خطواتها، وفق التقرير، استحواذ ذراع التوزيع التابعة لها على أعمال الوقود التابعة لـ "شل" في جنوب أفريقيا مقابل نحو مليار دولار، في صفقة تمنح الشركة حضورًا في قطاع توزيع الوقود بأحد أكبر اقتصادات أفريقيا. وتشمل الصفقة مئات محطات الخدمة إلى جانب أعمال الزيوت والوقود التجاري والطيران والوقود البحري.
وترى الصحيفة أن الصفقة تمثل أكثر من مجرد استحواذ تجاري؛ فهي مؤشر على رغبة "أدنوك" في بناء حضور دولي مباشر في أسواق الطاقة النهائية، بما يوسع قدرتها على تسويق منتجاتها خارج السوق المحلية.
كما تشير الصحيفة إلى استحواذ "أدنوك" على شركة "كوفسترو" الألمانية للبوليمرات مقابل نحو 17 مليار دولار، إلى جانب دمج أعمالها في مجال البتروكيماويات مع ذراع "أو إم في" النمساوية، في كيان تقدر قيمته بنحو 60 مليار دولار.
وتعكس هذه الصفقات، وفق مسار التقرير، تحول "أدنوك" من شركة تركز على استخراج النفط والغاز إلى مجموعة طاقة تمتلك أصولًا في الإنتاج والتكرير والبتروكيماويات والتوزيع والأسواق الخارجية.
حماية النفط الإماراتي من مخاطر هرمز
لكن أحد أكثر جوانب التحول إلحاحًا بالنسبة لأبوظبي يتعلق بكيفية إبقاء نفطها متصلًا بالأسواق في حال استمرار اضطرابات مضيق هرمز.
وقالت "فاينانشال تايمز" إن "أدنوك" تمتلك حاليًا خط أنابيب لنقل الخام بطاقة تبلغ نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، يمتد من منشآت داخل الإمارات إلى الفجيرة على الساحل الشرقي، بما يسمح بنقل النفط بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المضيق.
وتعمل الشركة على إنشاء خط أنابيب ثانٍ إلى الفجيرة من شأنه مضاعفة كمية النفط التي يمكن تصديرها من الساحل الشرقي للإمارات اعتبارًا من عام 2027، فيما تبحث كذلك إنشاء خط لأنابيب المنتجات المكررة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر بعد اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ تكشف الأزمة مدى حساسية صادرات الطاقة الخليجية لاعتمادها على ممر بحري واحد.
وبالتالي، لا تبدو استثمارات أدنوك في البنية التحتية مجرد مشروعات لزيادة الطاقة التصديرية، وإنما جزءًا من استراتيجية أوسع لتقليل قدرة الأزمات الجيوسياسية على تعطيل وصول النفط الإماراتي إلى المشترين.
التسعير أيضًا جزء من إعادة التموضع
ويشمل التحول جانبًا آخر يتعلق بكيفية تسعير النفط الإماراتي، فقد تخلت "أدنوك" عن محاولتها السابقة جعل خام "مربان" معيارًا مستقلًا لتسعير النفط، وعادت إلى نظام يرتبط بمعايير خامات الشرق الأوسط، في خطوة ربطتها "فاينانشال تايمز" بالاضطرابات التي شهدتها الأسواق خلال الحرب مع إيران.
ويشير هذا التغيير إلى أن إعادة تموضع "أدنوك" لا تتعلق فقط بكمية النفط التي تنتجها أو الطريق الذي تسلكه صادراتها، بل تشمل أيضًا الطريقة التي يتم بها تسعير الخام في السوق العالمية.
لماذا تريد أبوظبي تسريع التحول الآن؟
ترى "فاينانشال تايمز" أن تسريع خطط "أدنوك" قد يرتبط برؤية مفادها أن النفط لن يحتفظ إلى الأبد بالمكانة والقيمة نفسيهما، ولذلك تسعى أبوظبي إلى استثمار مواردها الطبيعية وتعظيم عوائدها قبل أن تتغير ظروف سوق الطاقة بصورة أكبر.
وفي الوقت نفسه، تركز الشركة على قطاعات قد يستمر فيها الطلب على النفط حتى مع توسع السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، وفي مقدمتها البتروكيماويات.
ومن هنا تأتي أهمية استثمارات "أدنوك" في هذا القطاع، إلى جانب توسعها في التوزيع والأسواق الخارجية، إذ تسعى الشركة إلى تحويل مواردها النفطية إلى منظومة أوسع من الأصول التي يمكن أن تستمر في توليد القيمة حتى مع تغير شكل الطلب العالمي على الطاقة.
أدنوك" كجزء من مستقبل أبوظبي
وتشير الصحيفة إلى أن مستقبل "أدنوك" يحمل أهمية سياسية واقتصادية خاصة للإمارات، باعتبار أن الشركة لعبت دورًا محوريًا في تمويل التحول الذي نقل الدولة من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط إلى مركز تجاري واستثماري عالمي.
ولهذا فإن نجاح "أدنوك" في التحول إلى شركة طاقة عالمية لا يمثل مجرد نجاح لشركة وطنية، بل يرتبط بصورة أوسع بقدرة أبوظبي على الحفاظ على مواردها النفطية وتعظيم قيمتها وتمويل اقتصادها في مرحلة تتغير فيها خريطة الطاقة العالمية.
وفي المقابل، تواجه الاستراتيجية الجديدة اختبارًا مزدوجًا: القدرة على زيادة الإنتاج والتصدير دون التسبب في تخمة تضغط على الأسعار، والقدرة على الحفاظ على تدفق النفط في ظل المخاطر الجيوسياسية التي كشفتها أزمة مضيق هرمز.
وتقول الصحيقة، إن تحركات "أدنوك" التي رصدتها خلال الفترة الأخرة تظهر كجزء من إعادة صياغة شاملة لدور الشركة "إنتاج نفط أكثر، امتلاك أصول وأسواق خارجية، تطوير قنوات تصدير تتجاوز نقاط الاختناق، وإعادة ترتيب آليات التسعير".