في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً متسارعاً على خلفية الهجمات الإيرانية وتبادل الضربات، برزت تصريحات لعدد من المسؤولين الإماراتيين أثارت جدلاً واسعاً، بعدما دعت بشكل صريح إلى توثيق العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي والدول الغربية، بالتوازي مع توجيه انتقادات حادة للدول العربية والتشكيك في جدوى التضامن معها.

وفي هذا السياق، أثار نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، الفريق ضاحي خلفان، موجة واسعة من التفاعل بعد نشره عدة تغريدات دعا فيها دول الخليج إلى توثيق التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.

وقال في إحدى تغريداته: "يا أهل الخليج العربي.. وثقوا التعاون مع إسرائيل.. نصيحة.. لا خير في دول المنطقة البتة"، في إشارة فسّرها كثيرون على أنها تقليل من أهمية العلاقات مع الدول العربية.

ولم تتوقف تصريحات خلفان عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل تأكيده أن ما تقوم به الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من عمليات عسكرية ضد إيران يهدف إلى إنهاء ما وصفه بـ"آلات الدمار" المرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة.

كما اعتبر أن التطورات الجارية تثبت أن الدول الغربية هي الحليف الحقيقي، بينما الدول العربية – وفق تعبيره – لا تلبي احتياجات الخليج الاستراتيجية، لا سيما في مجالات التسليح والتكنولوجيا.

وفي تغريدة أخرى، دعا خلفان إلى إعادة صياغة طبيعة العلاقات مع الدول العربية، مشيراً إلى أن التعامل معها يجب أن يكون محدوداً وبروتوكولياً، وهو طرح أثار انتقادات واسعة، اعتبرته أصوات عديدة تعبيراً عن توجه سياسي يتجاوز مجرد الرأي الشخصي.

وقبيل هذه التصريحات، كان مستشار رئيس الدولة، أنور قرقاش، قد أثار بدوره نقاشاً حاداً بعد توجيهه انتقادات لما وصفه بغياب التضامن العربي مع دول الخليج في مواجهة التهديدات الإيرانية.

وتساءل قرقاش عن دور مؤسسات العمل العربي المشترك، مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، في ظل ما اعتبره "عدواناً إيرانياً"، قائلاً إن دول الخليج كانت تاريخياً داعمة للعرب، قبل أن يطرح تساؤله: "فأين أنتم اليوم؟".

هذا الطرح فتح الباب أمام ردود واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث استعاد ناشطون ومعلقون سجل السياسات الإقليمية لأبوظبي، وطرحوا تساؤلات حول مفهوم التضامن وحدوده.

واعتبر البعض أن الدعوة إلى "العمل العربي المشترك" تتناقض مع خطوات سابقة، من بينها اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، والتدخل في عدد من الأزمات الإقليمية.

وفي هذا الإطار، رأى الناشط الإماراتي حمد الشامسي أن توقيت هذه التصريحات غير مناسب في ظل تصاعد خطر الحرب، مشيراً إلى أن الأولوية يجب أن تكون لوقف التصعيد، لا لتبادل اللوم.

كما تساءل عن مدى اتساق الدعوة إلى التضامن العربي مع سياسات اعتبرها أحادية، من بينها التطبيع مع إسرائيل دون توافق عربي شامل.

كما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، حيث انتقدوا ما وصفوه بازدواجية الخطاب، معتبرين أن التحالفات الجديدة التي يتم الترويج لها قد تعمّق الانقسامات في المنطقة، بدلاً من معالجتها.

هل حمى التطبيع أبوظبي من الهجمات الإيرانية؟

في موازاة هذا الجدل، عاد ملف التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي إلى الواجهة، خصوصاً في ضوء التساؤلات المتزايدة حول انعكاساته الأمنية. فبعد توقيع اتفاقيات التطبيع، شهدت العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب تطوراً ملحوظاً، شمل مجالات متعددة، من بينها التعاون الأمني والتقني.

وقد رُوّج لهذا التعاون في إطار التطبيع، وفق مراقبين، باعتباره خطوة لتعزيز منظومات الدفاع وحماية الدولة من التهديدات الإقليمية، من خلال إدخال تقنيات متقدمة في مجالات الدفاع الجوي وأنظمة الاعتراض. غير أن التطورات الميدانية الأخيرة، بما في ذلك الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، أعادت طرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذه المنظومات، وقدرتها على توفير الحماية الكاملة.

ويرى منتقدون أن انخراط أبوظبي في هذا النوع من التحالفات قد نقلها من موقع أقل انكشافاً على الصراعات، إلى موقع أكثر ارتباطاً بتعقيدات المشهد الإقليمي، خاصة في ظل الربط الذي يتم تداوله بين بعض الهجمات والوجود الأمني المرتبط بالكيان الصهيوني.

وفي هذا السياق، اعتبرت "الرابطة الإماراتية لمقاومة التطبيع" أن التحالفات العسكرية المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي في سياق المواجهة مع إيران قد تفرض كلفة باهظة على الدول المنخرطة فيها، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، محذرة من تداعيات هذا المسار على استقرار المنطقة.

من جهته، حذر الناشط حمد الشامسي من الانجرار إلى مسار تصعيدي يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي بالدرجة الأولى، داعياً إلى تبني خيارات أكثر توازناً تقوم على التهدئة والحلول الدبلوماسية، قبل الوصول إلى مرحلة يصعب فيها احتواء التداعيات.

تحذيرات فكرية من مخططات الإحتلال

وفي قراءة أوسع للمشهد، حذر المفكر والأكاديمي القطري نايف بن نهار من تجاهل ما وصفه بالمشاريع الاستراتيجية بعيدة المدى في المنطقة، مشيراً إلى أن أفكاراً مثل "إسرائيل الكبرى" لم تعد مجرد أطروحات نظرية، بل باتت أقرب إلى مسارات يجري العمل على تنفيذها تدريجياً.

واعتبر أن التقليل من شأن هذه الطروحات أو التعامل معها بوصفها غير واقعية قد يؤدي إلى تسريع تحققها، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

في ضوء هذه التطورات، تتزايد التساؤلات حول تداعيات السياسات الحالية لأبوظبي على الأمن الداخلي الإقليمي، ومدى ارتباط مسار التطبيع بالتحولات الجارية في موازين القوى. فهل تدرك القيادة الإماراتية أن قرار التطبيع مع الكيان الصهيوني، فتح مسارات لمخاطر استراتيجية تهدد الأمن الوطني والخليجي، ويرتبط بشكل مباشر بمشروع "إسرائيل الكبرى"؟

اقرأ ايضاً:

عتاب قرقاش للعرب يصطدم بتساؤلات واسعة: ماذا عن دوركم في المنطقة؟