احتفت صحيفة "غلف نيوز" الإماراتية الرسمية بتحول الدولة إلى "أداة وظيفية" في النظام العالمي الجديد. وبشرت الصحيفة بما أسمته "انهيار سردية الدولة الوطنية" لصالح نموذج "الدولة الوظيفية" التي تخدم مصالح القوى العظمى تحت غطاء "الضرورة الدولية".
المقال الذي كتبته الأكاديمية نجوى السعيد، لم يكتفِ بشرعنة تبعية الدول الصغيرة للقوى الكبرى، بل ذهب إلى إعادة تعريف السيادة بوصفها "سعة نطاق" رقمي وتدفقات بيانات، في محاولة للالتفاف على تآكل نفوذ الدولة الجيوسياسي التقليدي.
وقال المقال التحليلي المطول إن الجغرافيا وعدد السكان والقدرات العسكرية باعتبارها المحدد الرئيس للقوة والسيادة "بيد أن هذا النظام الدولي الذي يشهد تحولات متسارعة اليوم لم يعد يعترف بتلك المعادلة؛ إذ بات المقياس الجديد للقوة لا يكمن في الحيز الجغرافي، بل في قدرة الدولة على الاندماج في أنظمة المستقبل الناشئة والمساهمة في تشكيل معالمها".
وقالت السعيد: تبرز الإمارات ليس كمجرد استثناء للقاعدة، بل كنموذج كاشف يقلب الافتراضات البالية حول "الدول الصغيرة". مضيفة: التطور الذي تشهده الإمارات يفكك أحد أكثر الأطر الراسخة في الجيوسياسة العالمية للقرن العشرين، وهو مفهوم "الدولة الوظيفية".
وقدمت الأستاذة في جامعة المدينة بعجمان تعريفاً مغايراً للدولة الوظيفية وقالت إن التعريف يشير إلى أن "الدول الصغيرة لا يمكنها المطالبة بسيادة كاملة، بل تعيش عبر أداء أدوار محدودة، كقواعد أمنية متقدمة، أو وسطاء إقليميين، أو مديرين لـ "عدم استقرار مُسيطر عليه" لخدمة قوى كبرى".
وأضافت "غير أن هذه القراءة تتهاوى أمام التجربة الإماراتية؛ فمصدر قوة الإمارات يكمن تحديداً في رفضها للفوضى. والاستقرار، في الرؤية الإماراتية، ليس مجرد خيار سياسي، بل هو شرط وجودي".
وزعمت أن الإمارات اليوم ليست لاعباً هامشياً يؤدي وظيفة ضمن نظام قديم، بل هي "دولة ضرورة" يُعاد تصميم نظام عالمي جديد حولها. والفرق هنا جوهري؛ فالدولة الوظيفية تُستدعى لمساعدة الآخرين في لحظات الأزمات، بينما تصبح "دولة الضرورة" ركيزة لا غنى عنها في بنية النظام نفسه".
يأتي ذلك في ظل اتهامات متزايدة في مجلس الأمن ودول الشرق الأوسط لأبوظبي بالتدخل في الشؤون الداخلية ودعم المليشيات المسلحة للانقلاب على أنظمة الحكم في الدول.
وقالت إن اتفاقية "باكس سيليكا" (Pax Silica) الموقعة مع واشنطن، ليست مجرد تعاون تقني، بل هي "وثيقة سيادة على العصر الرقمي". وبحسب التحليل، فإن هذا التحول ينقل الدولة من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى شريك سيادي في صياغة المعايير العالمية، ضمن اقتصاد تكنولوجي تقدر قيمته بعشرات التريليونات.
ويرى محللون أن هذه الاتفاقية تضع البنية التحتية للبيانات والذكاء الاصطناعي في الإمارات تحت الإشراف المباشر والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، مما يحول الدولة إلى "خادم" تقني في الحرب الباردة بين واشنطن وبكين.
وتختم الكاتبة السعيد: من يبنون المستقبل هم من سيقودونه، بغض النظر عن حجمهم الجغرافي. إن جغرافيا الغد، كما يثبت النموذج الإماراتي، لا تُكتب على الأرض، بل بلغة البرمجة (الكود).