كشفت مجلة نيويوركر الأميركية عن تصاعد لافت في حدة الخلافات بين الإمارات والسعودية، مشيرةً إلى أن التحالف الذي جمع قيادتي البلدين خلال العقد الماضي يواجه مرحلة توتر غير مسبوقة.
وبحسب ما أوردته نيويوركر في تقرير مطوّل استند إلى مقابلة مع الباحث كريستيان أولريكسن، فإن الشرارة الأخيرة للخلاف برزت في اليمن، بعد تحركات لقوات مدعومة من أبوظبي، ولا سيما المجلس الانتقالي الجنوبي، في مناطق شرق البلاد، وهو ما اعتبرته الرياض خطوة أربكت التوازن القائم منذ الهدنة مع الحوثيين.
وأوضحت نيويوركر أن السعودية رأت في تلك التحركات تهديدًا لتحالف مواجهة الحوثيين، ومصدر قلق أمني نظرًا لقرب بعض المناطق من حدودها الجنوبية، خاصة في ظل سعيها خلال السنوات الأخيرة إلى تثبيت التهدئة والتركيز على أولوياتها الاقتصادية الداخلية.
وفي سياق متصل، ذكرت نيويوركر أن التباين السعودي–الإماراتي لا يقتصر على اليمن، بل يمتد إلى السودان، حيث تدعم أبوظبي قوات الدعم السريع، في حين تنظر الرياض بحذر إلى تداعيات الحرب على أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة.
وأوضحت أن الرياض تنظر بحذر إلى انعكاسات استمرار الحرب في السودان على أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم، في حين تبدو الإمارات، وفق توصيفه، أكثر استعدادًا لتحمّل مخاطر الانخراط في شبكات نفوذ غير حكومية لتحقيق أهداف استراتيجية.
وأشار إلى أن ما جرى تداوله بشأن نقاشات داخل البيت الأبيض حول السودان زاد من حساسية العلاقة، مع سعي كل طرف إلى تثبيت روايته أمام الإدارة الأميركية.
وأشار التقرير، وفق ما نقلته نيويوركر، إلى أن نقطة التحول في العلاقة تعود إلى ما بعد الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية عام 2019، والتي دفعت الرياض إلى إعادة تقييم انخراطها الإقليمي، والاتجاه نحو خفض التصعيد مع إيران وتحسين العلاقات مع قوى إقليمية أخرى، مقابل استمرار أبوظبي في اتباع نهج أكثر انخراطًا في بعض الساحات.
وبيّنت نيويوركر أن التنافس بين البلدين بات يحمل بُعدًا اقتصاديًا واضحًا، مع سعي السعودية إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للاستثمار والسياحة والتقنيات المتقدمة، وهي مجالات تتمتع فيها الإمارات بأفضلية تراكمية، ما أوجد سباقًا صامتًا على جذب الاستثمارات الأجنبية.
كما لفتت نيويوركر إلى أن العلاقة مع الإدارة الأميركية أسهمت في زيادة حدة التنافس، في ظل سعي كل من الرياض وأبوظبي إلى تثبيت موقعه كشريك استراتيجي لواشنطن، عبر تعهدات استثمارية وتحركات سياسية متوازية.
وفي ما يتعلق بملف التطبيع مع "إسرائيل"، أوضحت نيويوركر أن السعودية كانت منخرطة قبل أحداث أكتوبر 2023 في حوار مع واشنطن بشأن اتفاق محتمل، إلا أن التطورات في غزة رفعت الكلفة السياسية داخليًا، مقارنة بأبوظبي التي سبقت إلى تطبيع علاقاتها.
وختمت نيويوركر تقريرها بالإشارة إلى أن العلاقة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وسمو رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، التي وُصفت سابقًا بأنها نموذج لتحالف شخصي وسياسي متين، تواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا في ظل اختلاف حسابات النفوذ والمخاطر، ما قد ينعكس على موازين القوى في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
واختتم المصدر بالإشارة إلى أن العلاقة الشخصية بين القيادتين لعبت دورًا في ترسيخ التحالف سابقًا، إلا أن اختلاف الأجيال وتبدّل موازين النفوذ الإقليمي جعلا من الصعب استمرار الصيغة السابقة ذاتها.
وأضاف: “نحن أمام انتقال من مرحلة التنسيق الوثيق إلى مرحلة إدارة تنافس مضبوط، لكن الخطورة تكمن في أن تراكم الملفات المفتوحة قد يدفع إلى مزيد من الاستقطاب ما لم تُضبط إيقاعاته سياسيًا”.
ويرى المصدر أن مستقبل العلاقة بين الرياض وأبوظبي سيبقى عاملًا حاسمًا في رسم ملامح توازنات الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، سواء اتجه الطرفان نحو احتواء الخلاف أو نحو تكريسه كعنوان لمرحلة إقليمية جديدة.