الاستثمار والمستثمرون في دولة الإمارات.. قصص في غاية الإبداع وأخرى في قعر الاحتيال!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 26-03-2020

ترددت في الآونة الأخيرة الكثير من القصص والوقائع التي تسلط الضوء على واقع الاستثمار والمستثمرين من الإماراتيين والمقيمين العرب والأجانب. تراوحت هذه الأحداث بين أعمال اقتصادية مبدعة جعلت من دولة الإمارات عاصمة عالمية في مجالاتها، وقدمت صورة ولا أروع لما يجب أن يكون عليه المستثمر في إحساسه بالمسؤولية الاجتماعية، وبين أعمال أخرى من صور الفساد والاحتيال كان أبطالها أيضا من جميع الجنسيات. وإذا كان هناك حقيقة واحدة ثابتة في هذا التقرير، فإنها: لا علاقة من أي نوع كانت بين الجنسية والفساد أو الجنسية والصلاح. فما هي القصص الاستثمارية التي صنعت لدولة الإمارات وجها مختلفا طوال العقود السابقة، إلى جانب الصورة السلبية التي لا تخلو منها تجربة؟!

كيف تكون الصورة عندما يتولى الاستثمار رواد المال والأعمال وحكومة ذكية؟

الثلاثي سمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، والمفكر الاقتصادي العربي عيسى عبده إبراهيم، ورجل الأعمال الإماراتي المعروف سعيد بن أحمد لوتاة، برهنوا، جميعا، في منتصف السبعينات على أنهم  قادرون على تحويل الفكرة الاقتصادية من الذهن إلى الورق، فالواقع، حيث تعتبر دبي اليوم عاصمة الاقتصاد الإسلامي في العالم، وتحاول دول عربية وإسلامية أكبر بكثير من دبي منافستها على هذا اللقب، ولكن بلا طائل.

الخبير الاقتصادي المصري، ألقى محاضرة في دولة الإمارات في السبعينات ضمن سلسلة من المحاضرات التي كان يلقيها في الخليج بهدف تسويق فكرة إنشاء بنك إسلامي، غير أن الدول الخليجية لم تفتح له بابا. وفي محاولته الأخيرة في دولة الإمارات، صادفت الفكرة استحسانا كبيرا لدى لوتاه، والذي نقلها لمجلس الشيخ راشد بن سعيد، وبدوره تحمس للفكرة ومنحها فرصة للحياة.

ودون مزيد من الاستطراد، فإن بنك دبي الإسلامي الذي بدأ أعماله كأول بنك إسلامي في العالم عام 1976، فتح الباب واسعا لما يسمى  الاقتصاد الإسلامي والصيرفة الإسلامية. بدأ رأسمال البنك بـ140 مليون درهم، ساهم لوتاه بخمسين مليون درهم منها. ولكن يبلغ اليوم حجم الاقتصاد الإسلامي في العالم 2.4 ترليون دولار، بحسب سلطان سعيد المنصوري وزير الاقتصاد رئيس مجلس إدارة مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي.

عيسى عبد إبراهيم رائد فكرة البنوك الإسلامية

ولكن، ما هي الصورة المقابلة لهذه التجربة المشجعة؟

ادعى تحقيق تلفزيوني بثته مؤخرا وسائل إعلام على صلة بالأزمة الخليجية، أن رجل الأعمال العربي "عمر عايش" كان ضحية تعسف مسؤولين كبارا في أبوظبي، قيل إنهم سيطروا على أمواله ومشروعاته بالاحتيال، في صورة مناقضة تماما لليد النظيفة التي امتاز بها الشيخ راشد بن سعيد وسعيد لوتاه وعيسى عبده.

وكشف التحقيق شهادات مستثمرين تعرضوا للاعتقال في إمارة دبي، كان بينهم مؤسس شركة "تعمير" العقارية عمر عايش. وتوصل البرنامج إلى وثائق سرية تظهر نقل بعض أصول "تعمير" بواسطة الشيخ صقر بن محمد آل نهيان وبموافقة السلطات في أبوظبي. ومع تزايد القضايا المرفوعة من مستثمرين في محاكم دبي وخارجها، برزت اتهامات ضد سلطات دبي بتوفير غطاء لعمليات الاستيلاء بشكل منظم.

عمر عايش  مؤسس شركة تعمير

ويقول "عمر عايش": إنه كنوع من الضغط تم رفع قضايا جنائية ضده، وتم ترتيب سجنه بشكل مخالف للقانون. وقد عينت محاكم دبي 18 خبيرا لتقدير حصة عايش في الشركة، وكان من بينهم الخبير الحسابي رضا درويش آل رحمة، وقدر حصة عايش بقيمة 1.8 مليار دولار، لكنه استقال بعد إصدار تقريره على وقع تهديد تعرض له.

وبغض النظر عن مدى دقة هذا النزاع الاقتصادي والقانوني إلا أنه يعبر عن تجربة مختلفة تماما عن تجربة البنوك الإسلامية، مع طرح التساؤلات حول أسباب هذا الاختلاف بين التجربتين.

ما هو واقع المستثمرين الإماراتيين بين جمعة الماجد وخادم القبيسي؟

أيضا تتعدد صور المستثمرين الإماراتيين من الرقي بالاقتصاد والمسؤولية المجتمعية إلى مصاف عليا، إلى جانب تجارب أخرى تهوي إلى قاع الفساد.

جمعة الماجد رجل اقتصاد من الطراز الأول

ولد الماجد في دبي عام 1930، تعلم القراءة والكتابة وشيئاً من علوم الدين والقرآن الكريم واللغة العربية في الكتاتيب. في مطلع الخمسينات قام مع زملاء له بتأسيس لجنة بمباركة الشيخ راشد بن سعيد لجمع التبرعات من المحسنين بدبي، وشيدت بها ثانويتين واحدة للذكور، وأخرى للبنات.

عام 1983 وبسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي حالت دون قبول أبناء الوافدين من العرب في المدارس الرسمية في الإمارات، أنشأ المدارس الأهلية الخيرية لتعليم الفقراء من الطلاب الوافدين مجانا. وفي عام 1987 أنشأ كلية الدراسات الإسلامية والعربية للطالبات.

وفي 1991 م شعر بحاجة الطلاب والباحثين إلى الكتب والمراجع، فأنشأ مكتبة عامة، تطورت فيما بعد لتصبح مركزاً ثقافياً باسم "مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي".

جمعة الماجد

 وعام 1990 أسس جمعية بيت الخير مع نخبة من زملائه لمساعدة الفقراء، من الإماراتيين والمقيمين.  وكان حريصا بصفة خاصة على أبناء فلسطين، فكانت لهم الأولية حتى في الأعمال التجارية، وذلك قصد تمكينهم من الإنفاق على أقاربهم في الأرض المحتلة.

والماجد، هو عضو مؤسس لغرفة تجارة وصناعة دبي، ونائب رئيس مجلس إدارة البنك المركزي لدولة الإمارات، إلى جانب العديد من المناصب الاقتصادية الكبيرة في الدولة.

وتقديرا للجهود والأنشطة التي قام بها جمعة الماجد، فقد تم منحه العديد من الجوائز المحلية والدولية منها: تكريم وزارة العدل الكويتية، لاستضافة الأسر الكويتية عام 1990 بعد الغزو العراقي للكويت، جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام في عام 1999، وقلدته منظمة التحرير الفلسطينية "نوط القدس من الدرجة الأولى". وفي سرد السيرة الاقتصادية لجمعة الماجد، يجد المتابع أنه أمام شخصية خيرية ومجتمعية رفيعة المستوى استثمر قدراته الاستثمارية في تعزيز اقتصاد الدولة من جهة، وأعطى صورة بيضاء لسلوك المال والأعمال من جهة ثانية.

خادم القبيسي.. التورط في الفساد

ولكن في المقابل، هناك من يسيء لهذا النموذج بوجود شخصيات اقتصادية مثل خادم القبيسي. فقد أكدت مصادر مصرفية إن مصرف الإمارات المركزي أبلغ البنوك بتجميد أصول اثنين من كبار المسؤولين السابقين في شركة الاستثمارات البترولية الدولية (إيبيك) المملوكة لأبوظبي، بحسب وكالة"رويترز". ونُحي القبيسي عن منصب العضو المنتدب في "إيبيك"، وترك منصبه كرئيس مجلس إدارة آبار للاستثمار التابعة لـ"إيبيك"، كما تخلى أيضاً عن مناصب رفيعة في بضع شركات أخرى في المنطقة.

خادم القبيسي مع مسؤول ماليزي بحضور قادة الإمارات وماليزيا

شغل القبيسي منصب العضو المنتدب لـ(آيبيك) منذ 2007 ولغاية 2015، وهي أحدى الشركات الرئيسية المملوكة لحكومة أبوظبي في قطاع الصناعات البتروكيماوية على مستوى العالم، وارتفعت قيمة المحفظة الاستثمارية للشركة من 800 مليون دولار الى 70 مليار دولار في فترة 10 سنوات لتولي القبيسي لمنصب العضو المنتدب. وهو ما آثار تساؤل المراقبين عن نوعية التجارة والأعمال التي تصل من أقل من مليار دولار إلى ضعفها 7000%.

وكذلك، فتحت النيابة العامة المالية في فرنسا تحقيقاً مع خادم القبيسي، في إطار قضية فساد متعلقة بصندوق ماليزيا السيادي. وكشفت صحيفة لوموند أن تحقيقاً أولياً فتح مع القبيسي عام 2017 بسبب شبهات بتبيض واختلاس الأموال، في إطار قضية الفساد المتعلقة بالصندوق الماليزي.

وماذا بشأن المستثمرين الأجانب.. هروب أكبر مستثمر طبي بالدولة  في ذروة "كورونا"؟

بصورة عامة، قدم المستثمرون الأجانب صورة سلبية للغاية خاصة من الآسيويين والأوروبيين في الأزمة المالية عام 2009، إذ هرب الآلاف منهم من الدولة تاركين خلفهم سياراتهم وشققهم المقفلة بعد أن رفضوا أو عجزوا عن تسديد التزاماتهم المالية آنذاك.

صورة الهروب، تكررت هذه الأيام بصورة مثيرة للغاية، تعيد إلى الأذهان الطريقة الهوليودية التي هرب فيها غسان غصن من اليابان. رجل الأعمال الهندي "بي آر شيتي"، وصل إلى دولة الإمارات عام 1973 ومعه 8 دولارات فقط، بحسب أقواله. أسس "شيتي" عام 1975 المركز الطبي (إن أم سي)، التي نمت لتصبح أكبر مزود الرعاية الصحية في القطاع الخاص في دولة الإمارات.

 وتقول مجلة "أريبيان بزنس": إن "شيتي"، هرب من الإمارات أثناء مواجهته 5 قضايا، كفيلة أن تودعه السجن بقية حياته. وفي ديسمبر الماضي، وُجه  اتهام بالاحتيال لشركة "إن إم سي". وأوقفت شركة الإمارات للصرافة (يملكها شيتي) معاملاتها بعدما فتح البنك المركزي الإماراتي تحقيقاً في عملياتها.

تقارير متواترة أكدت أن "شيتي" مقرب جداً من سلطات أبوظبي. صحيفة "خليج تايمز"، قالت عنه: "اليوم أصبح واحداً من أهم رجال الأعمال في الإمارات بل وفي العالم". وبحسب صحيفة "البيان"، هو "اليوم يمتلك ثروة تقدر بنحو 2.8 مليار دولار أمريكي ليأتي في المركز الـ 14 ضمن قائمة أثرياء الشرق الأوسط لعام 2019".

والأربعاء (25|3) كشفت وكالة "رويترز" أن شركة "إن.إم.سي"، بلغت ديونها المتراكمة 6.6 مليار دولار، وهو رقم أعلى بكثير من تقديرات سابقة. وهناك مخاوف من إمكانية امتداد مشكلات "شيتي" المالية إلى شركات أخرى يرتبط بها.

 فهل تستثمر أبوظبي علاقاتها مع رئيس وزراء الهند مودي الذي كرمته أبوظبي ببناء أول معبد هندوسي "شركي" في الدولة والجزيرة العربية، وهل تطالب بتسليمه عبر القنوات القانونية والأمنية، فهذه القنوات والاتفاقيات الأمنية تسمح لأبوظبي أن تقدم هذا الطلب وبما يوجب على نيودلهي الاستجابة وفق "العلاقات الاستراتيجية الكاملة"، بحسب تعبير أبوظبي عن هذه العلاقات.

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 26-03-2020

مواضيع ذات صلة