قالت صحيفة وول ستريت جورنال إن الولايات المتحدة تدرس إعادة تقييم حجم وجودها العسكري في الكويت، في تحول قد يعيد رسم أحد أهم ترتيبات الأمن الخليجي التي استمرت منذ تحرير الكويت في حرب الخليج عام 1991، وذلك على خلفية الحرب الأخيرة مع إيران وما كشفت عنه من تحديات أمنية جديدة.
وذكرت الصحيفة أن الكويت ظلت لعقود واحدة من أكبر المراكز اللوجستية للجيش الأميركي خارج الولايات المتحدة، إذ استضافت آلاف الجنود الأميركيين إلى جانب دبابات "أبرامز" والمدفعية الثقيلة، وهو وجود وفر للكويت، بحسب الصحيفة، شعوراً بالأمان في مواجهة أي تهديدات إقليمية.
لكن وول ستريت جورنال أشارت إلى أن الحرب مع إيران غيّرت هذه المعادلة، إذ نقلت عن مسؤولين أميركيين مطلعين أن واشنطن تعيد حالياً مراجعة حجم قواتها في الكويت، بينما يؤكد مسؤولون كويتيون استمرار حاجتهم إلى التزام أميركي واضح بأمن البلاد.
وبحسب الصحيفة، تعرضت الكويت خلال الحرب لمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت محطات الكهرباء وتحلية المياه والمطار الدولي والميناء، كما تسببت في تعطيل صادرات النفط عبر مضيق هرمز.
وأضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة أعلنت أن أنظمة الدفاع الجوي الأميركية نجحت في اعتراض معظم الهجمات الإيرانية، إلا أن القواعد الأميركية داخل الكويت تعرضت أيضاً لضربات متكررة، من بينها هجوم في مارس أدى، وفقاً للصحيفة، إلى مقتل ستة عسكريين أميركيين.
وأوضحت وول ستريت جورنال أن الكويت تمكنت من الحفاظ على استمرار خدمات الكهرباء والمياه بفضل القدرات الاحتياطية والإصلاحات الطارئة، إلا أن الحرب أظهرت هشاشة البنية التحتية المدنية وحدود المظلة الدفاعية الأميركية في مواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
ونقلت الصحيفة عن السفير الأميركي السابق لدى الكويت ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن، دوغلاس سيليمان، قوله إن الهجمات دفعت الكويتيين إلى النظر للوجود الأميركي باعتباره "عبئاً" من جهة، لكنه يظل في الوقت نفسه "ضرورياً للغاية للدفاع عن الكويت"، مشيراً إلى أن الجانبين يبحثان حالياً أفضل صيغة للتعاون الدفاعي مستقبلاً.
كما أفادت الصحيفة بأن الكويت وقعت اتفاقية دفاعية جديدة مع باكستان، التي لعبت دوراً في جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها أكدت أنه لا توجد مؤشرات على توجه كويتي للتخلي عن الولايات المتحدة كشريك أمني رئيسي، بل قد تسعى الكويت للحصول على أنظمة دفاع جوي أكثر تطوراً من واشنطن ودول أخرى.
ونقلت الصحيفة عن متحدث باسم السفارة الكويتية في واشنطن قوله إن الهجمات الأخيرة أبرزت تعقيد البيئة الأمنية في المنطقة وتطور طبيعة التهديدات، مؤكداً استمرار التزام الكويت بالعمل الوثيق مع الولايات المتحدة.
وبحسب وول ستريت جورنال، أكد مسؤول أميركي أن العلاقات الدفاعية بين البلدين ما زالت قوية، إلا أن محللين يرون أن العامل الأكثر تأثيراً مستقبلاً يتمثل في اقتناع واشنطن بأن الإبقاء على وجود عسكري كبير ودائم في الكويت قد لا يكون ضرورياً أو مناسباً من الناحية العسكرية.
وأضافت الصحيفة، نقلاً عن مسؤولين حاليين وسابقين، أن وزارة الدفاع الأميركية كانت تدرس بالفعل تقليص قواتها في الكويت قبل اندلاع الحرب مع إيران، وأن البنتاغون خفض بالفعل بعض وجوده العسكري خلال الحرب بهدف تقليل المخاطر على قواته.
ونقلت عن الباحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والمسؤولة السابقة في البنتاغون، إليزابيث دنت، قولها إن السؤال المطروح حالياً هو ما إذا كانت الحرب المستمرة مع إيران تجعل استمرار وجود أميركي بهذا الحجم أمراً منطقياً، محذرة من أن أي تقليص دائم قد يثير تساؤلات حول مستوى الالتزام الأميركي بالدفاع عن الكويت.
كما أشارت الصحيفة إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف الهجوم على مطار الكويت الدولي في يونيو بأنه "دفاع عن النفس"، مدعياً أن البنتاغون كان يستخدم المطار نقطة انطلاق لشن هجمات، لافتة إلى أنه لم يتسن التحقق مما إذا كانت القوات الأميركية لا تزال تستخدم المطار لهذا الغرض.
وأضافت الصحيفة أنها كانت قد نشرت سابقاً تقريراً نقلاً عن مصادر مطلعة يفيد بمشاركة الكويت في غارات جوية ضد إيران، إلا أن السفيرة الكويتية لدى الولايات المتحدة نفت ذلك.
ووفقاً لـوول ستريت جورنال، توقفت صادرات الكويت النفطية، البالغة نحو مليوني برميل يومياً، لأشهر عدة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، ما حرم الأسواق العالمية من نحو 2% من إمداداتها اليومية، كما تعرضت منشآت الكهرباء وتحلية المياه لأضرار بعد ضربات إيرانية جديدة، في وقت تعتمد فيه الكويت على تحلية مياه البحر لتوفير أكثر من 90% من احتياجاتها من مياه الشرب.
وأضافت الصحيفة أن صور أقمار صناعية أظهرت تصاعد الدخان فوق منطقة ميناء الأحمدي وظهور أضرار قرب الرصيف الشمالي التابع للشركة الحكومية المشرفة على قطاع النفط والغاز.
ورأت وول ستريت جورنال أن الحرب أثبتت أن الوجود العسكري الأميركي لم يعد كافياً لحماية الكويت من الهجمات الإيرانية، رغم نجاح السلطات الكويتية في الحفاظ على الخدمات الأساسية.
ونقلت عن أستاذ التاريخ في جامعة الكويت بدر السيف قوله إن الهجمات الإيرانية أكدت ضرورة تنويع الشراكات الأمنية للكويت، مضيفاً أن التهديدات الإيرانية ستستمر سواء بقي الأميركيون أم غادروا، وأن ما حدث يمثل "جرس إنذار" للكويت.
واستعرضت الصحيفة الخلفية التاريخية للعلاقة بين البلدين، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة قادت التحالف الدولي لتحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991، وهو ما أسس لشراكة أمنية طويلة توسعت بشكل كبير بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، عندما تحولت الكويت إلى مركز لوجستي رئيسي للقوات الأميركية.
وأضافت أن عدد الجنود الأميركيين في الكويت بلغ في السنوات الأخيرة نحو 13.5 ألف جندي موزعين على معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية ومنشآت أخرى، لتصبح الكويت واحدة من أكبر مواقع الانتشار العسكري الأميركي خارج الولايات المتحدة.
كما أشارت الصحيفة إلى أن الكويت أصبحت مركزاً رئيسياً لتخزين الدبابات والمركبات المدرعة والذخائر والوقود وتجهيز القوات الأميركية للانتشار في أنحاء المنطقة، وأنها، بخلاف بعض دول الخليج، لم تُبدِ تحفظات على استضافة أعداد كبيرة من القوات الأميركية، معتبرة ذلك الضمانة الأهم ضد أي تهديد بري محتمل من العراق أو إيران.
ولفتت وول ستريت جورنال إلى أن البنتاغون نشر بطاريات "باتريوت" في الكويت لحماية قواعده، كما باع المنظومة نفسها للجيش الكويتي، إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت تغير طبيعة التهديدات من الحروب التقليدية إلى الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن المسؤولين الكويتيين، شأنهم شأن مسؤولين في دول خليجية أخرى، شعروا بالاستياء لأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أدخلت المنطقة في مواجهة مع إيران من دون تشاور كافٍ مع الحلفاء، وهو شعور ازداد مع استمرار الحرب وتعطل صادرات النفط، فيما قالت إليزابيث دنت إن الكويت تجد نفسها اليوم في موقف بالغ الصعوبة، فهي تريد إنهاء الحرب، وفي الوقت نفسه تريد التخلص من التهديد الإيراني.