كشفت صحيفة وول ستريت جورنال بأن أحد قدامى عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، الذي كلف بالتجسس على شركة الذكاء الاصطناعي الإماراتية G42 التي يقودها مستشار الأمن الوطني الشيخ طحنون بن زايد، انتهى به الأمر إلى مساعدة  أبوظبي في معالجة المخاوف الأمريكية المرتبطة بعلاقات الشركة السابقة مع الصين، ما مهد الطريق أمام توسيع التعاون التكنولوجي بين البلدين.

وبحسب الصحيفة، فقد كُلّف عميل المخابرات الأمريكية جوني غانون، الذي كان يشغل منصب رئيس محطة الـCIA في أبوظبي، عام 2023 بتقييم مدى إمكانية الوثوق بالشركة الإماراتية قبل السماح لها بالحصول على تقنيات أمريكية متقدمة، وعلى رأسها رقائق إنفيديا المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وأضاف التقرير أن المهمة بدأت باعتبارها عملية استخباراتية تهدف إلى فحص صلات الشركة بالصين، لكنها تحولت لاحقًا إلى قناة تواصل ساعدت الإمارات على فهم المطالب الأمريكية واتخاذ خطوات لمعالجة المخاوف المتعلقة بالأمن القومي.

وذكرت الصحيفة أن الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني، كان يقود آنذاك مشروعًا طموحًا لتحويل الإمارات إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، مدعومًا باستثمارات ضخمة، مع سعي شركة G42 للحصول على أحدث الرقائق الأمريكية.

لكن داخل واشنطن، كانت هناك مخاوف متزايدة من أن تؤدي علاقات الشركة السابقة مع مؤسسات صينية إلى انتقال التكنولوجيا الأمريكية الحساسة إلى بكين، خاصة بعد معلومات استخباراتية أشارت إلى اهتمام الصين بالاستفادة من شراكتها مع G42 للوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.

وأوضحت الصحيفة أن غانون أمضى نحو ستة أشهر في نقل مطالب الإدارة الأمريكية مباشرة إلى الشيخ طحنون، موضحة أن هذه الاتصالات مهدت الطريق أمام سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الشركة الإماراتية لإقناع واشنطن بأنها مستعدة لفصل أعمالها عن الصين والالتزام بالمعايير الأمريكية.

وأشارت إلى أن إدارة الرئيس جو بايدن تراجعت في نهاية المطاف عن خيار إدراج G42 على القائمة السوداء لوزارة التجارة، ووضعت بدلاً من ذلك إطارًا يسمح للشركة بالحصول على الرقائق الأمريكية ضمن ضوابط تنظيمية.

وفي ربيع عام 2023، زار وكيل وزارة التجارة الأمريكية للأمن، آلان إستيفيز، أبوظبي، حيث التقى الشيخ طحنون بن زايد وأبلغه بأن أمام الإمارات خياراً واضحاً: إما بناء شراكة تكنولوجية متقدمة مع الولايات المتحدة أو مواصلة التعاون مع الصين، مؤكداً أن واشنطن لن تسمح بالجمع بين الطرفين في أكثر التقنيات حساسية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والرقائق المتطورة.

ووفقاً للتقرير، رد الشيخ طحنون على الرسالة الأمريكية قائلاً: "فهمت".

وبعد أشهر، وفي يونيو 2023، عاد الشيخ طحنون إلى واشنطن، حيث عقد اجتماعاً جديداً مع إستيفيز في مقر إقامته بمدينة ماكلين بولاية فرجينيا. وخلال اللقاء، قدّم المسؤول الأمريكي قائمة بالمطالب التي اشترطتها واشنطن للمضي قدماً في التعاون مع شركة G42، تضمنت تعيين جهة تدقيق مستقلة للتحقق من امتثال الشركة للمعايير الأمريكية، إلى جانب إجراءات رقابية وأمنية أخرى.

وبحسب الصحيفة، أبلغ الشيخ طحنون المسؤول الأمريكي باستعداد الإمارات لتنفيذ جميع تلك المطالب، قائلاً: "أستطيع القيام بكل هذه الأمور".

وأضافت أن إستيفيز عاد لاحقاً إلى أبوظبي لمتابعة مدى التزام الشركة بهذه الإجراءات، وخرج بانطباع مفاده أن G42 تسير في الاتجاه الذي تطالب به واشنطن، الأمر الذي عزز فرص استمرار التعاون بين الجانبين.

إلا أن هذا التوجه لم يحظ بإجماع داخل الإدارة الأمريكية، إذ أثار انقساماً بين مسؤولي الأمن القومي، حيث رأى فريق أن التعاون مع الإمارات يخدم المصالح الأمريكية ويحد من النفوذ الصيني، بينما حذر آخرون من المخاطر المرتبطة بنقل التكنولوجيا المتقدمة إلى دولة كانت تربطها علاقات وثيقة ببكين.

وقالت الصحيفة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ذهبت لاحقًا إلى أبعد من ذلك، إذ وسعت نطاق وصول الإمارات إلى الرقائق الأمريكية، قبل أن تعلن الأسبوع الماضي رفع القيود المفروضة مؤقتًا على حصول G42 على هذه التقنيات، وهو ما اعتُبر انتصارًا كبيرًا للإمارات في سباق الذكاء الاصطناعي.

ونقلت الصحيفة عن مصادرها أن هذا القرار جاء بعد سنوات من المفاوضات والضغوط السياسية والأمنية، إلى جانب التزامات إماراتية بإعادة هيكلة علاقات الشركة مع الصين وتعزيز إجراءات الامتثال والرقابة.

ولفت التقرير إلى أن الجدل حول G42 كان من أكثر الملفات إثارة للخلاف داخل إدارة بايدن، حيث انقسم المسؤولون بين من رأى أن منع الإمارات من الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية سيدفعها نحو الصين، ومن اعتبر أن منحها هذه التقنيات ينطوي على مخاطر استراتيجية.

كما استعرض التقرير خلفية الرئيس التنفيذي لـ G42، بنغ تشياو، وعمله السابق في شركة DarkMatter الإماراتية، التي واجهت تحقيقات أمريكية تتعلق ببرامج مراقبة إلكترونية، إضافة إلى علاقاتها السابقة مع شركات صينية مثل هواوي.

ورغم استمرار بعض الشكوك داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية، أكدت وول ستريت جورنال أن الإمارات نجحت في تغيير مسار النقاش داخل واشنطن، لينتقل من التركيز على المخاطر الأمنية إلى اعتبارها شريكًا رئيسيًا في المنافسة العالمية على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن هذا المسار تُوّج بإطلاق مشروع "ستارغيت الإمارات"، الذي يهدف إلى إنشاء أحد أكبر مراكز الذكاء الاصطناعي في العالم، بمشاركة شركات أمريكية بارزة مثل OpenAI وNVIDIA، في خطوة تعكس التحول الكبير في العلاقات التقنية بين أبوظبي وواشنطن.

اقرأ ايضاً:

لماذا منحت واشنطن الإمارات وصولاً أوسع إلى رقائق الذكاء الاصطناعي؟

ماهي "G42"؟ وكيف يستخدمها الشيخ طحنون لبسط نفوذه في الدولة؟