بحسب تقرير موسّع نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، اختارت السعودية والإمارات على مدى سنوات طويلة تسوية خلافاتهما ونزاعاتهما الحدودية والسياسية بهدوء وبعيداً عن الأضواء، إلا أن المشهد الحالي يوحي وكأن “سداً سياسياً قد انهار”، ما أدى إلى ارتدادات امتدت آثارها داخل المنطقة وخارجها.

وتقول نيويورك تايمز إن الشرخ القائم حالياً بين الجارين الخليجيين، وهما من أكثر الدول ثراءً ونفوذاً في أسواق النفط والسياسة الإقليمية، لا يقتصر على خلافات ثنائية، بل يمتلك القدرة على تحريك الأسواق العالمية وتفاقم النزاعات المسلحة في أكثر من ساحة.

اليمن.. ساحة الانفجار

وترى الصحيفة الأميركية أن هذا التوتر يبدو أكثر وضوحاً في اليمن، حيث قادت مجموعة انفصالية مدعومة من الإمارات محاولة فاشلة في ديسمبر للسيطرة على جنوب البلاد، وهي منطقة استراتيجية تطل على طرق تجارة عالمية حيوية.

وبحسب نيويورك تايمز، ردّ المسؤولون السعوديون على تلك التطورات بتحركات حازمة، انتزعوا من خلالها نفوذاً ميدانياً من الإمارات، وأعلنوا أن المملكة وحدها ستتولى مسؤولية رسم مستقبل اليمن.

ونقلت الصحيفة عن إتش إيه هيليير، الزميل المشارك الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، قوله: "هذا ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل هو انقسام استراتيجي حول مفهوم الاستقرار في الشرق الأوسط".

ويشير التقرير إلى أن التوترات السعودية–الإماراتية تمتد إلى دول أخرى في المنطقة، حيث يحذّر محللون من أن هذا الصدع قد يؤدي إلى تفاقم الصراعات القائمة وتفكيك تحالفات إقليمية هشة.

وتلفت نيويورك تايمز إلى أن واشنطن كانت تنظر طويلاً إلى كل من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، ورئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، بوصفهما شريكين طبيعيين، فقد تعاونا عسكرياً في اليمن عام 2015، وشاركا في تدخل عسكري وُصف في التقرير بـ"الكارثي" لوقف تمدد المتمردين الذين سيطروا على العاصمة صنعاء.

إلا أن الصحيفة تؤكد أن مسارات الزعيمين بدأت تتباعد في السنوات الأخيرة، إذ دعما أطرافاً متنافسة في الحرب الأهلية السودانية، واتبعا سياسات نفطية مختلفة، ودخلا في منافسة اقتصادية متصاعدة.

من الأخوة إلى المواجهة الإعلامية

وبحسب نيويورك تايمز، حافظت الحكومتان السعودية والإماراتية، قبل تصاعد الخلاف في اليمن، على واجهة علنية من الأخوة والمودة، قائمة على الروابط القبلية والثقافية. غير أن تلك الصورة تلاشت سريعاً، وتحولت خلال أسابيع إلى حرب كلامية حادة.

وأشارت الصحيفة إلى أن معلقين سعوديين ومنصات إعلامية مملوكة للدولة باتوا يُظهرون ازدراءً علنياً للإمارات، متهمين صناع القرار في أبوظبي ببذر الفوضى في المنطقة عبر دعم ميليشيات مسلحة في اليمن والسودان، ومعتبرين أن الطموحات الإماراتية أصبحت "متضخمة"، وأنه "حان الوقت لإعادة الدولة الصغيرة إلى حجمها الطبيعي".

في المقابل، تنقل نيويورك تايمز عن نخب إماراتية استياءها من ما تصفه بتصرف السعودية بعقلية "الأخ الأكبر المتسلط".

وتقول الصحيفة الأميركية إن حرب الروايات تصاعدت الشهر الماضي عندما سعت السعودية إلى إعادة تسليط الضوء على اتهامات سابقة بانتهاكات حقوق إنسان منسوبة للإمارات في اليمن، حيث اصطحب مسؤولون يمنيون مدعومون من الرياض صحفيين إلى منشآت مهجورة قالوا إنها كانت سجوناً سرية تديرها أبوظبي.

وأوضح المسؤولون الذين نظموا الجولة، وهم ممثلون عن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، أن الإمارات احتجزت وعذبت يمنيين داخل تلك المنشآت.

وتلفت نيويورك تايمز إلى أن هذه الاتهامات ليست جديدة، إذ سبق للجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة أن خلصت قبل سنوات إلى أن القوات الإماراتية في اليمن كانت مسؤولة عن احتجاز خارج نطاق القضاء، وإخفاء قسري، وتعذيب.

غير أن وزارة الدفاع، نفت هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكدة في بيان رسمي أنها "لا تستند إلى أي أدلة"، واعتبرتها جزءاً من "حملة منظمة لتشويه سمعة الدولة الإماراتية".

المال والنفوذ

وبحسب التقرير، كانت الإمارات في فترات سابقة تدفع رواتب لبعض المقاتلين اليمنيين، إلا أن السعودية تعهدت الآن بتغطية رواتب جميع موظفي الحكومة اليمنية، المدنيين والعسكريين، في المستقبل المنظور.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين يمنيين مطلعين على الخطة، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أن هذا الالتزام المالي السعودي يتجاوز مليار دولار سنوياً.

كما أشارت نيويورك تايمز إلى أن المسؤولين الإماراتيين نفوا تمويل أو تسليح ميليشيات إقليمية، بما في ذلك في السودان، رغم ما وصفته الصحيفة بـ"وجود أدلة واسعة تشير إلى عكس ذلك"، مؤكدين أنهم لم يتحدثوا عن الخلاف مع السعوديين إلا بعبارات عامة.

وقال أنور قرقاش، مستشار رئيس الدولة، خلال مؤتمر عُقد الأسبوع الماضي: "لقد كانت الإمارات هدفاً لحملة إعلامية غير مسبوقة. إن اختلاف الآراء أمر طبيعي، لكن ما ليس طبيعياً هو الفجور في الخصومة".

في المقابل، ذكرت الصحيفة أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قال في إيجاز صحفي بتاريخ 26 يناير إن علاقة المملكة بالإمارات "مهمة للغاية"، لكنه أشار إلى وجود "اختلاف في وجهات النظر" بشأن اليمن.

وأضاف الوزير: "إذا كان الأمر كذلك بالفعل، وأن الإمارات قد تركت قضية اليمن تماماً"، فإن ذلك قد يشكل "لبنة بناء" للحفاظ على قوة العلاقة، مع تشديده على كلمة "إذا"، في ما رأت الصحيفة أنه يعكس مستوى عالياً من عدم الثقة بين الطرفين.

وأوضحت نيويورك تايمز أن الحكومتين السعودية والإماراتية لم تستجيبا لطلبات رسمية للتعليق.

وبحسب التقرير، أظهرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تردداً في الانحياز لأي من الطرفين، نظراً إلى أن السعودية والإمارات تمثلان حليفين أساسيين تسعى واشنطن إلى الحفاظ على دعمهما لسياساتها في الشرق الأوسط، إضافة إلى تعاونهما التجاري مع عائلة الرئيس.

وتقول نيويورك تايمز إن محللين يرون أن السعودية بدأت تتحرك بقوة لمواجهة المصالح الإماراتية، ونقلت عن المحلل السياسي السعودي سلمان الأنصاري قوله: "من وجهة نظر الرياض، فإن الثقة مع أبوظبي قد استُنفدت، ولم تعد الكلمات والتطمينات ذات أهمية".

وأضاف التقرير أن الصراع مرشح للانتقال إلى القرن الإفريقي، حيث يدعم البلدان أطرافاً متنافسة في الحرب الأهلية السودانية، إذ تدعم الإمارات "قوات الدعم السريع"، بينما تدعم السعودية الجيش السوداني.

كما أشارت الصحيفة إلى أن ولي العهد السعودي حثّ إدارة ترامب في نوفمبر على التوسط في اتفاق سلام بالسودان، ما سلّط الضوء الدولي على الدور الإماراتي هناك.

وفي الصومال، توضح نيويورك تايمز أن السعودية دعمت الحكومة المركزية، بينما عززت الإمارات علاقاتها مع إقليم "أرض الصومال"، ما دفع الحكومة الصومالية في 12 يناير إلى إنهاء "جميع الاتفاقيات" مع الإمارات، متهمة إياها بـ"أعمال عدائية وزعزعة للاستقرار".

وتختتم الصحيفة الأميركية بالإشارة إلى أن آخر انقسام خليجي بهذا الحجم وقع عام 2017، عندما اتحدت السعودية والإمارات لعزل قطر وتقديم قائمة مطالب واضحة.

ونقلت عن محمد بهارون، رئيس مركز أبحاث في دبي، قوله: "في هذه الحالة، لا توجد قائمة مطالب"، محذراً من "غموض خطير" يحيط بالانقسام الحالي.

وأضاف بهارون أن الخلاف قد يُحل مستقبلاً، لكنه قد يترك أثراً عميقاً، متسائلاً: "إلى أي حد تكون هذه الندبة؟ وماذا تذكّرك عندما تنظر في المرآة؟".