تحولت محافظة حضرموت، أكبر محافظات اليمن مساحة وأكثرها غنى بالموارد، إلى ساحة صراع مفتوح بين أبوظبي والرياض، رغم كونهما شريكين ظاهريين في التحالف العسكري باليمن.

وبحسب تقرير لصحيفة "العربي الجديد" في نسختها الإنجليزية، فقد اصطدمت الرؤيتان الاستراتيجيتان للبلدين حول مستقبل المحافظة الشرقية عند نقطة يصعب تجاوزها، ما جعل حضرموت مركز ثقل في التنافس على النفوذ والسلطة في جنوب اليمن.

الأنبوب السعودي

وبالنسبة للرياض، لا تقتصر أهمية حضرموت على احتياطياتها من النفط والغاز، بل تتجاوز ذلك إلى موقعها الجغرافي الذي يمنح السعودية فرصة استراتيجية للوصول المباشر إلى بحر العرب، بما يعزز استقلالها في مجال الطاقة ويقلل من اعتمادها على الممرات البحرية الخاضعة لمعادلات إقليمية معقدة.

ويشير عبد الغني الإرياني، الباحث البارز في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، إلى أن فكرة مد خط أنابيب نفط سعودي عبر شرق اليمن ليست جديدة، موضحاً أن المشروع طُرح منذ عقود، لكن السياق السياسي السابق حال دون تنفيذه.

وأوضح الإرياني أن العقبة الرئيسية آنذاك تمثلت في نزاعات السيادة، إذ رفض الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح منح السعودية امتيازاً سيادياً خاصاً أو القبول بالحماية المشتركة لمسار الخط، ما دفع الرياض لاحقاً إلى المطالبة بالسيادة الكاملة على مساره، وهو ما كان يعني عملياً تقسيم اليمن.

ويؤكد الإرياني أن السياق الراهن مختلف جذرياً، مشيراً إلى أن الصيغة السابقة لم تعد مطروحة، وأن تنفيذ المشروع اليوم قد يتم دون الإضرار بوحدة اليمن، في ظل احتمال قبول السلطة الحالية بترتيبات لم تكن مقبولة في السابق.

من منظور استراتيجي، يمنح إنشاء خط أنابيب إلى بحر العرب السعودية فرصة لتقليص اعتمادها على مضيق هرمز، الذي ظل لعقود نقطة اختناق حساسة في تجارة الطاقة العالمية. ووفقاً لما نقلته "العربي الجديد" عن المحلل السياسي الدكتور عادل الشجاع، فإن المشروع يخدم عدة أهداف، من بينها منح الرياض أداة ضغط استراتيجية في أوقات الأزمات الإقليمية، لا سيما في مواجهاتها غير المباشرة مع إيران، إضافة إلى تقليل كلفة ومدة نقل النفط، خصوصاً باتجاه الأسواق الآسيوية والشرق الأقصى.

الأهداف الإماراتية

في المقابل، عملت الإمارات قبل التصعيد الأخير على ترسيخ نفوذها على طول السواحل الجنوبية والشرقية لليمن، وبنت شبكة من التشكيلات العسكرية المحلية المتحالفة معها داخل حضرموت. ويرى الإرياني أن مشاركة أبوظبي في التحالف العسكري باليمن جاءت، جزئياً، بهدف عرقلة أي مشاريع استراتيجية سعودية قد تقلل من اعتماد الرياض على الحماية الأمنية الأميركية.

ويضيف أن نجاح السعودية في مد خط أنابيب إلى بحر العرب سيضعف ارتباطها بمضيق هرمز، ويقلل من اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، وهو ما يثير قلق الإمارات التي تعتمد، كدولة صغيرة مجاورة لقوة إقليمية كبرى، على هذه الحماية كضمانة لأمنها القومي.

بدوره، يرى المحلل السياسي شجاع الدين أن التوترات بين البلدين تصاعدت بشكل ملحوظ بعد تبني أبوظبي المشروع الانفصالي عبر إنشاء المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، وهو ما كشف اختلافاً جوهرياً في الأجندات والأولويات. ويشير إلى أن أواخر ديسمبر شهدت تصعيداً خطيراً، تمثل في نشر السعودية أصولاً عسكرية باتجاه حضرموت والمهرة، في رسالة واضحة تتعلق بما تعتبره تهديدات لأمنها القومي.

وبحسب شجاع الدين، فإن المجلس الانتقالي الجنوبي أصبح أضعف بعد تراجع الدعم الإماراتي، وإعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عن سيطرة قوات "درع الوطن" بشكل كامل على حضرموت والمهرة وعدن. وخلال أسابيع، عززت القوات المدعومة من السعودية نفوذها في مناطق استراتيجية، بينما بدأ المجلس الانتقالي، الذي مثّل لفترة طويلة الأداة السياسية للطموحات الإماراتية، بفقدان موقعه.

ورغم ذلك، يرى شجاع الدين أن التحركات السعودية لا تزال في إطار ردود الفعل، دون امتلاك رؤية استراتيجية طويلة المدى، مؤكداً أن الهدف الأوضح للرياض يتمثل في تحقيق استقرار اليمن مع ضمان ولاء القوى المسيطرة على حدوده الشمالية والجنوبية، وهو ما يشكل جوهر الرؤية السعودية في حضرموت واليمن عموماً.

ويتعارض هذا التوجه مع الطموحات الإماراتية، التي سعت، وفق شجاع الدين، إلى السيطرة على الجزر والسواحل اليمنية لتحقيق مكاسب اقتصادية وعسكرية وأمنية تعزز حضورها لدى الغرب. لكنه يلفت إلى أن توسع أبوظبي باتجاه حضرموت تجاوز الخطوط الحمراء من وجهة نظر الرياض، التي اعتبرت ذلك تهديداً مباشراً، ما أدى إلى خسائر إماراتية على المستويين الاقتصادي والعسكري، رغم احتمال محاولتها العودة بوسائل مختلفة.

وعلى الرغم من الأهمية الاستراتيجية لحضرموت، يؤكد الشجاع أن تنفيذ المشاريع الكبرى يواجه تحديات هائلة، أبرزها غياب الأمن والاستقرار، وضعف مؤسسات الدولة، والتنافس المحلي على النفط والسلطة، إضافة إلى غياب بنية تحتية جاهزة وتمويل دولي جاد، وعدم وجود اتفاق سياسي يمني متماسك حول سياسات الطاقة.

خلافات أعمق

وفي قراءة مختلفة، يقلل المحلل السياسي فارع المسلمي من المبالغة في ربط الاهتمام السعودي بحضرموت بمسألة خطوط الأنابيب، معتبراً أن اليمن لا يمثل وزناً نفطياً حقيقياً مقارنة بالسعودية، وأن التفكير التقليدي في الممرات البرية والبحرية لم يعد يعكس واقع تجارة النفط العالمية. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الخلاف السعودي الإماراتي قديم، وينبع من اختلافات هيكلية عميقة، تتعلق بكون السعودية دولة حدودية مع اليمن، مقابل نظرة إماراتية مختلفة للملف.

ويحذر المسلمي من أن اليمن سيكون الخاسر الأكبر من هذا الانقسام، إذ إن وجود قوتين إقليميتين غنيتين، لكل منهما رؤية متباينة لمستقبل البلاد، ينقل الصراع إلى مستوى أكثر تعقيداً من الحروب بالوكالة، ذات كلفة أعلى وأكثر تدميراً على الدولة والمجتمع.