بينما كان عالقًا في مطار عدن، وبحوزته دعوة سعودية لم يكن في مقدوره رفضها، رغم رغبته الشديدة في ذلك، لجأ عيدروس الزبيدي إلى المراوغة وكسب الوقت، متشبثًا بتفاصيل بروتوكولية صغيرة أدت إلى تأخير إقلاع الطائرة من اليمن لساعات عدة.

وكان الزعيم الانفصالي، الذي يقود جماعة انفصالية تحظى بدعم إماراتي لكنها على خلاف عميق مع السعودية، يدرك أن ما ينتظره في الرياض لن يكون في صالحه. لذلك واصل سياسة التسويف والمماطلة، إلى أن تلقى اتصالًا أبلغه بأن خطة الهروب باتت جاهزة للتنفيذ.

وعلى الفور، فرّ الزبيدي مسرعًا برفقة خمسة من أبرز مساعديه إلى معسكر عسكري في عدن. ومن هناك، جرى تجهيز موكبين كطُعم للتمويه، قبل أن يتجه برًا نحو الساحل القريب، فيما كانت طائرة مسيّرة إماراتية تحلّق فوقهم للمراقبة والحماية. ومع بزوغ فجر اليوم التالي، كان الزبيدي قد صعد على متن سفينة متجهة إلى الصومال، ومنها واصل رحلته جوًا إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي.

هذا الهروب الجريء، الذي وقع في وقت سابق من هذا الشهر، وأكّد تفاصيله مسؤولون في عدن، ومسلحون، وعمال موانئ، فضلًا عن بيانات غاضبة صادرة عن مسؤولين عسكريين سعوديين، شكّل نقطة انفجار لخلاف يتسم بتصعيد لغوي وسياسي غير مسبوق بين اثنين من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وهو صراع يضع وحدة اليمن ذاتها موضع تساؤل، وينذر بمزيد من المعاناة لشعب يعاني أصلًا من واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

ويقول محمد الباشا، الخبير المقيم في الولايات المتحدة ومؤسس شركة "تقرير الباشا"، وهي شركة استشارات مخاطر أمريكية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا: "لم أشهد غضبًا سعوديًا بهذا المستوى من قبل على الإطلاق".

وأضاف: "تشعر السعودية بأن الإمارات لم تتصرف كوسيط نزيه في اليمن أو في ملفات أخرى، وهناك إحساس عميق بالخيانة".

وقد أدى هذا الشرخ، الناتج عن تباينات حادة في السياسات الجيوسياسية والتجارية، إلى تحويل العلاقة بين الرياض وأبوظبي خلال سنوات قليلة من تحالف وثيق إلى منافسة حذرة، ثم إلى خصومة علنية. وأسهم ذلك في توتير العلاقات في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا.

ويرجّح مراقبون أن تؤدي المناوشات بين قوتين رئيسيتين في مجال الطاقة إلى إرباك الأسواق والاستثمارات العالمية، فضلًا عن تعقيد خطط رئيس أمريكي يرى في البلدين شريكين محوريين في التجارة والدبلوماسية.

وبرز هذا الصدام إلى العلن بشكل درامي الشهر الماضي، عندما سيطرت الجماعة الانفصالية التي يقودها الزبيدي، والمعروفة باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، على مساحات شاسعة من جنوب اليمن على حساب الحكومة المعترف بها دوليًا، وبدا أنها تقترب من إعلان دولة انفصالية في إقليم غني بالموارد.

وجاء هذا التحرك مفاجئًا للرياض، التي كانت قد تحالفت مع أبوظبي قبل أكثر من عقد في حملة عسكرية مدمّرة ضد جماعة الحوثيين المدعومة من إيران، والتي سيطرت على العاصمة صنعاء عام 2014.

وكان المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس عام 2017 بهدف إعادة تأسيس دولة مستقلة في جنوب اليمن، قد تلقى دعمًا عسكريًا وماليًا كبيرًا من الإمارات.

وفي عام 2022، انضم إلى الحملة المناهضة للحوثيين إلى جانب الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، غير أن خطوط المواجهة ظلت جامدة إلى أن جاء التقدم الأخير الذي حققه المجلس.

وفي البداية، بدت السعودية، التي تشترك في الحدود مع إحدى المناطق التي سيطر عليها انفصاليو المجلس الانتقالي، وكأنها تتقبّل هذا التمدد على مضض.

لكن سرعان ما تغيّر الموقف، إذ شنّت الرياض غارات جوية على ما قالت إنه شحنة أسلحة إماراتية كانت في طريقها إلى الانفصاليين، وهو اتهام نفته أبوظبي. وتبع ذلك إطلاق حملة عسكرية واسعة وعنيفة أطاحت بالمجلس الانتقالي من جميع المناطق التي كان قد استولى عليها، ما أتاح للقوات الحكومية استعادة معقله الرئيسي في عدن. وفي خضم ذلك، طالبت الحكومة اليمنية الإمارات بإنهاء وجودها العسكري في البلاد.

ومع الهزيمة شبه الكاملة للانفصاليين، دعت – أو أمرت، بحسب الروايات – السعوديةُ عيدروس الزبيدي وأكثر من خمسين مندوبًا من المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض لمناقشة مستقبل جنوب اليمن. وكان لدى الزبيدي ما يكفي من الأسباب للخوف من أن يُعتقل أو يُجبر، في الحد الأدنى، على الاستسلام، وهو ما دفعه إلى الفرار.

ووصفت السعودية الزبيدي بأنه "هارب"، فيما وجّهت الحكومة اليمنية إليه تهمة الخيانة العظمى.

وبعد يوم واحد فقط، ظهر أحد مندوبي المجلس الانتقالي الجنوبي الموجودين في الرياض على شاشة التلفزيون الرسمي اليمني ليعلن حلّ المجلس، وهو قرار رفضه كثير من أعضاء المجلس خارج السعودية، مؤكدين أنه اتُخذ تحت الإكراه، ومتهمين الرياض باحتجاز وفد المجلس كرهائن.

ومع ذلك، شارك أعضاء المجلس الانتقالي الموجودون في الرياض، يوم الأحد، إلى جانب سياسيين يمنيين آخرين، في ما وُصف بـ"اجتماع تشاوري" حول مستقبل جنوب اليمن، وهي خطوة رأى مراقبون أنها تهدف إلى نفي مزاعم الإكراه السعودي.

وفي جوهر الخلاف بين السعودية والإمارات بشأن اليمن، يبرز اختلاف الرؤى بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

فعندما صعد محمد بن سلمان إلى المشهد السياسي وزيرًا للدفاع عام 2015، انتهج سياسة خارجية صدامية، قادته إلى شن الحرب على الحوثيين، وإلى احتجاز رئيس وزراء لبنان، كما شاركت السعودية إلى جانب الإمارات والبحرين في فرض حصار على قطر عام 2017 استمر أربع سنوات. غير أن هذه الرؤية تغيّرت لاحقًا، لتصبح الأولوية للاستقرار الإقليمي بوصفه شرطًا أساسيًا للازدهار الاقتصادي.

في المقابل، برزت الإمارات كلاعب يصفه مراقبون بالمربك، إذ لم تكتفِ بتطبيع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متحدية بذلك الشروط السعودية التقليدية لتحقيق سلام عربي شامل، بل عملت أيضًا على بناء شبكة من الوكلاء والقواعد العسكرية والموانئ والأصول السرية على امتداد البحر الأحمر وفي مناطق متعددة من أفريقيا، ما اعتُبر تهديدًا لحكومات عدة.

ويتجلّى هذا الدور بوضوح في السودان، حيث يتهم منتقدون الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية متهمة بارتكاب إبادة جماعية خلال الحرب الأهلية. وتنفي الإمارات هذه الاتهامات، مؤكدة أن هدفها هو الحفاظ على وحدة السودان، رغم وجود أدلة واسعة تناقض هذا الطرح.

ومنذ تفجّر الخلاف حول اليمن، انخرطت السعودية والإمارات في حرب إعلامية مفتوحة، تبادل خلالها مؤثرون وإعلاميون من الجانبين الهجمات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما بثّت قنوات ممولة من الدولتين تقارير هجومية متبادلة.

وفي هذا السياق، نظّمت السعودية زيارة إعلامية إلى مدينة المكلا، الميناء الجنوبي اليمني، يوم الاثنين، حيث اتهمت الحكومة اليمنية الإمارات بإدارة سجن سري في المدينة.

وفي مناطق أخرى من الإقليم، تتسارع وتيرة إعادة ترتيب التحالفات. فبعد وقت قصير من هروب الزبيدي، أقدمت الحكومة الصومالية على إلغاء اتفاقيات تعاون أمني وتجاري مع الإمارات، بما في ذلك الامتياز الممنوح لشركة "دي بي وورلد" لإدارة ميناء بربرة، وهو الميناء الذي استخدمه الزبيدي في عملية فراره.

ويشير مراقبون إلى أن الإمارات فقدت، على ما يبدو، أذونات الطيران العسكري فوق أجواء مصر والسودان والسعودية، كما أعلنت إدارة مطار الكفرة في ليبيا، الذي أصبح محطة مهمة في خط الإمداد الإماراتي إلى حلفائها في السودان، عن إغلاق المطار لمدة شهر.

وفي الوقت الذي تعمل فيه السعودية على تفكيك الشبكة العسكرية الإماراتية في المنطقة، تسعى في المقابل إلى بناء شبكة نفوذ خاصة بها. وقال مسؤول صومالي، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الرياض تخطط لتشكيل تحالف عسكري مع مصر والصومال، كما مارست ضغوطًا على صوماليلاند لمنع إسرائيل من إقامة قواعد عسكرية على أراضيها. وفي تطور لافت، بدأت تركيا بدورها تحقيق اختراق في علاقاتها مع السعودية، وهو تحول كبير بين خصمين تاريخيين، فيما تخطط الرياض لشراء طائرات حربية صينية من باكستان لتسليمها إلى اليمن.

وبالتوازي مع ذلك، عملت السعودية على تقليص النفوذ الإماراتي داخل اليمن. وقال قادة في عدن، في تصريحات لصحيفة «نيويورك تايمز»، إن الرياض وافقت على دفع رواتب جميع المقاتلين، والتي تُقدّر بنحو 80 مليون دولار شهريًا، كما جرى عزل سياسيين مدعومين من الإمارات من المجلس الرئاسي اليمني واستبدالهم بشخصيات أقرب إلى الموقف السعودي.

ورغم نزع سلاح المجلس الانتقالي الجنوبي، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الإمارات ستقبل بخسارة موطئ قدمها في اليمن.

ويقول محمد الباشا: "حتى الآن، يبدو أن الإمارات تركّز على استخدام القوة الناعمة في جنوب غرب اليمن، كما فعلت في صوماليلاند. أما ما إذا كان ذلك سيتحوّل لاحقًا إلى دعم تمرّد مسلح، فذلك سؤال مفتوح".

وفي الوقت الراهن، يسود الهدوء مدينة عدن، رغم تصاعد الغضب الشعبي مما يعتبره كثيرون تدخّلًا سعوديًا لإجهاض مشروع انفصال طال انتظاره. فقد كان اليمن دولتين منفصلتين قبل الوحدة عام 1990، وهي خطوة لا يزال كثير من الجنوبيين يحملون تجاهها مشاعر مرارة، خصوصًا بعد فشل محاولة الانفصال عام 1994.

ويوم الجمعة، شارك عشرات الآلاف في مسيرة حاشدة مؤيدة للمجلس الانتقالي الجنوبي في وسط عدن، رافعين أعلام دولة جنوب اليمن السابقة، إلى جانب صور عيدروس الزبيدي ولافتات إماراتية متفرقة.

وردّد المشاركون هتافات تعهّدوا فيها "بالتضحية بأنفسنا من أجل الجنوب"، بينما كان مقدّم الحفل يدير الهتافات بأسلوب النداء والرد، سائلاً: «هل تريدون الرئيس اليمني؟ هل تريدون يمنًا اتحاديًا؟ هل تريدون حلولًا نصفية؟"، ليردّ الحشد في كل مرة: "لا". ثم يسأل: "إذن ماذا تريدون؟" فيأتي الجواب مدويًا: "الجنوب!".

وقالت ضياء الهاشمي، وهي معلمة لغة إنجليزية تبلغ من العمر 44 عامًا، إن السعودية تجاوزت حدودها.

وأضافت: "لم يكن الأمر متعلقًا بالإمارات أو بأي طرف آخر. نحن نطالب بدولة مستقلة منذ عام 1994، ونحن نقف خلف الرئيس عيدروس الزبيدي".

وتابعت: "دخلنا في شراكة مع الشماليين لتحرير العاصمة من الحوثيين، لكنهم، للأسف، يريدون وطنًا بديلًا في الجنوب".              

وعلى مقربة منها، كان سند عبد العزيز، البالغ من العمر 37 عامًا، أكثر حدّة في لهجته، وقال: "نريد الجنوب وسنقاتل من أجله، وبعد ذلك سنعتبر السعودية هدفًا".