السؤال الكبير المشروع: هل خضعت قطر للضغوط ؟

الدوحة – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 14-09-2014

الضغوط التي تتعرض لها قطر ليست جديدة بل منذ انطلاق قناة الجزيرة قبل نحو عشرين، وظلت هذه الضغوط تخف تارة وتتصاعد تارة حتى الانقلاب على الرئيس محمد مرسي العام الماضي، وهو ما وجدت فيه أطرافا خليجية وإقليمية فرصة" قد لا تتكرر" في تصفية حساباتها مع قطر لسياستها الخارجية"المشاغبة" ولقناتها "المزعجة". وبلغت ذروة الضغوط مارس الماضي عندما عرضت دول خليجية مجلس التعاون للتفكك بسحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من الدوحة في سياق هذه الضغوط التي لا تزال مستمرة.

بعد الانقلاب استضافت قطر قيادات حزب الحرية والعدالة الحاكم في مصر بعد الانقلاب عليه، وازداد دور قطر الإقليمي في دعم الثورات العربية عموما، وفي دعم المقاومة الفلسطينية خصوصا. هذا الدور حظي بنقمة مشتركة من جانب دول خليجية ونظام السيسي وإسرائيل، حتى بدا أن خطوات الصدام مع قطر من جانب دول إقليمية وإسرائيل منسقا. قاومت قطر كثيرا الضغوط، وتعرضت لمزيد من التهديدات المباشرة،ولكنها في النهاية طلبت من قيادات مصرية مغادرة أراضيها.

الموقف القطري، رأى فيه البعض تنازل وخضوع قد يتبعه تنازلات أخرى. آخرون اعتبروه تكتيكا كونه يعبر عن "إعادة تموضع" في مسألة فرعية وهي مكان وجود هؤلاء القادة، بينما تستمر السياسة الخارجية القطرية في دعم الثورة المصرية وكل المستضعفين على نفس الوتيرة. وبين هذا وذاك، وبين متشكك ومتلمس عذر وبين متفائل ومتشائم، نحاول في هذه الوقفة توضيح الصورة ووضع الأمور في سياقها إنصافا لدور قطر التاريخي و لمعرفة ماذا حدث وأين تتجه الأمور.

تغيير أماكن لا سياسات

المتتبع لتصريحات "طلب المغادرة" يجد أنها لا تعدو كونها إجراء عاديا، أي أنه لا يشكل حدثا استثنائيا في تاريخ العلاقات بين قطر والإخوان أو أنه يمثل بداية تغير قطري. مسؤول قطري صرح لصحيفة نيويورك تايمز رفض الكشف عن هويته:" قطر لم تطلب من الإخوان المغادرة، وكل من يريد العودة منهم إلى قطر فهو مرحب فيه في أي وقت". وعلى الأرجح أن ما حدث بالفعل بين قطر وقيادات مصرية، هو "تفاهم" على الخروج من قطر، مقابل "تفهم" مصري للموقف القطري والضغوط التي تعرضوا لها. وأن الثمن الذي يمكن أن تدفعه قطر جراء هذه الاستضافة يفوق جدوى الاستضافة ذاتها، وقد أثبت القطريون والمعارضة المصرية أنهم غير عدميين، و يقدر بعضهم ظروف بعض.

أسباب القرار القطري

تنوعت القراءات والتحليلات للأسباب الحقيقية التي دفعت قطر لاتخاذ هذا الموقف، بين من كان منطقيا في تحليله ومن جانبه الصواب. في كل الأحوال، لا شك أن الضغوط الخليجية والتهديدات المباشرة وغير المباشرة هي السبب المباشر لهذا الموقف القطري، الذي ظل يقاوم الضغوط بقوة و دفع ثمنا باهظا لذلك.

إخوان مصر اعتبروا أن هناك أسبابا لا تتعلق بالضغوط الخليجية على قطر فقط، بقدر ما هو ضغوط أمريكية دفعت بهذا الاتجاه، خاصة أن الشيخ يوسف القرضاوي وعددا من الحركات الإسلامية في الوطن العربي ومن بينهم إخوان مصر عارضوا التحالف الدولي ضد داعش، ما حرم الإدارة الأمريكية الغطاء المناسب والأكثر أهمية في هذه الحرب المزعومة. فالقرضاوي والآخرون، يدينون إرهاب داعش ويعارضون فكرها وسلوكها، ولكنهم يعتقدون أن محاربة داعش ليست إلا ذريعة لهجمة أخرى على المنطقة، لذلك زادت الضغوط على قطر للقيام بهذه الخطوة.

ومن المناسب الإشارة في جملة معترضة، إلى أن موقف القرضاوي والإخوان ليس هو الموقف الوحيد المعارض للتحالف الجديد في ضرب داعش، فمنظمة التحرير الفلسطينية (وهي ليست محسوبة على الإسلام السياسي بل تعتبر مناهضة له) وعمر موسى أمين عام الجامعة العربية السابق وعضو نظام حسني مبارك وغيرهم الكثير عارضوا هذا التحالف الذي يتجاهل جميع مشكلات المنطقة وإرهاب إسرائيل وإرهاب المليشيات الشيعية، والتركيز على داعش.

موقف القيادات المصرية

سارعت معظم الشخصيات التي طلب منها المغادرة، إلى إصدار بيانات أو كتابة تغريدات، قدمت الشكر لدولة قطر ولدورها في وقوفها إلى جانب الثورة المصرية، وأكدت أنها ستغادر أيضا حتى لا تسبب المزيد من الحرج والضغوط على دولة قطر. فتحدث وجدي غنيم عبر يوتيوب، وأصدر محمود حسين قيادي إخواني بارز بيانا شرح فيه ملابسات الحدث، وتقدم بالشكر لقطر، وغرد حمزة زوبع وآخرون يشكرون قطر ويؤكدون على استمرار الثورة و تلمس العذر للموقف القطري.

التأثير على الثورة

أكد جميع المتابعين للشأن المصري بأن الثورة المصرية نابعة من الداخل، أي أن من يتوهم توقف الثورة بالضغط على قطر وطلبها الإخوان بالمغادرة سيفت من عضدها، ستثبت له الأيام القادمة أن خروج هذه القيادات سيحررها من الكثير من القيود التي تراعيها ذاتيا احتراما لعلاقات المضيف مع دول خليجية. فمن كان بالأمس لا يذكر دول وشخصيات  خليجية ودورها بالعبث في الساحة المصرية، فغدا سيسمي الأشياء بمسمياتها، وقد تدرك الدول التي ضغطت باتجاه خروج هذه القيادات من قطر، أن بقاءها "تحت السقف القطري"إعلاميا أفضل بكثير من خروجها.

وقد ذهب بعض المصريين المعارضين لنظام السيسي، بالقول:" إن التحالف الذي يدعم مرسي، قد يجد يده طليقة أكثر وعدم تعرضه للضغوط بعد خروج هذه القيادات من الدوحة"، ومعتبرا في ذات الوقت "أن عدم نجاح التحالف الداعم لمرسي بتحقيق أي إنجاز على الأرض حتى الآن، جعل مقاومة قطرعلى مواجهة الضغوط أقل بكثير"، وهو ما يفهم من جانب ما، أن المعارضة المصرية بحاجة إلى تفعيل خياراتها على الأرض، وعدم الركون والدعة كثيرا في التباطؤ في مواجهة الانقلاب، حتى لا تتكر 60 سنة أخرى، بعد ما يسميها مصريون "محنة عبدالناصر الأولى" للإخوان وخروجهم للخليج واستمرارها حتى الان. و الموقف القطري قد يكون له هذه الفائدة أيضا، رغم أن القيادات المصرية اعتبرت أن القرار القطري كان "مفاجئا".

هل تغيرت قطر

حتى الآن من الصعب أن يجيب أحد على هذا التساؤل، فلايزال مجهولا محتوى وشروط وثيقة الرياض التي يطلب من قطر تنفيذها، وليس معروفا ما هي الشروط التي تشترطها الدول الخليجية، وليس معروفا إن كان هناك صفقة تمت بين الدوحة والرياض، كما ألمح بذلك الكاتب الأردني ياسر الزعاترة بتغريدة له، ملمحا لوجود صفقة كهذه. جميع هذه التساؤلات بحاجة إلى إجابات دقيقة ورسمية للتمكن من استنتاج دقيق ومنصف: إن كان قطر تغيرت أو اتخذت أقل المواقف سوءا.

المعروف أن هناك شكاوى وتذمر خليجي وعربي  كبير من دور قطر ومن الجزيرة، والمطلوب خطوة أكبر بكثير من خطوة مغادرة هذه القيادات. وبالفعل، فقد اعتبر مصطفى بكري الصحفي المصري القريب من الانقلاب أن ما قامت به قطرمن "طرد قيادات الإخوان" غير كاف، واعتبره هو وآخرون أن ما قامت به قطرهو من باب المناورة والتكتكيك، وطالبوا بوقف قناة الجزيرة وتغيير سياساتها.

فإذا استمرت السياسة القطرية الخارجية بدعم الشعوب العربية مع ما تسمح به "المناورة" و "المرونة" والتعامل مع الواقع، واستمرت قناة الجزيرة بسياستها الإعلامية، واستمر الدعم للمقاومة وللشعب السوري، وسائر قضايا المستضعفين في الأرض، فإنه يمكن للشيخ تميم أن يؤكد ما قاله في خطابه الأول قبل نحو عام "قطر ستظل قبلة المضيوم"، أما إذا تبع هذه الخطوة، خطوات أخرى دراماتيكية، فإن التوصيف لن ينطبق على الموصوف، وستزداد شماتة مواقع التواصل الاجتماعي الخليجية وخاصة الإماراتية في "انقلاب" قطر على ذاتها وعلى سياستها، في وقت يتساءل البعض: ألم تكن انتصارات أردوغان الانتخابية، وصمود المقاومة بغزة و فشل السيسي وإخفاق سياسة السعودية في سوريا وإيران والعراق، والانشغال بمحاربة داعش، كافيا لإعادة التوازن في العلاقات بصورة لا تبقي قطر تحت الضغوط؟ أم أن ما يحمي قطر ويعزز انتصارات المقاومة ويساند أردوغان هو النسخة الثانية من ثورة 25 يناير، لتعيد الأمور إلى نصابها وتعيد كل مدع إلى حجمه.

الدوحة – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 14-09-2014

مواضيع ذات صلة