ذعر أبوظبي من "قمة كوالالمبور".. ضغوط الكواليس ونزق الخصومات

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 23-12-2019

لم تكن قمة "كوالالمبور" أول واقعة صدام بين أنقرة وأبوظبي، ولكنها أول سجال على الأقل بين الأخيرة وماليزيا. القمة التي شهدتها هذه الدولة الأسيوية، أثارت الذعر في صفوف أبوظبي التي لم ترفض حضور القمة فقط وإنما ساهمت في عرقلتها ووأدها في مهدها. ولكن أبوظبي التي تمردت على الرياض في مؤتمر غروزني عام 2016 استصرخت المملكة وحاربت بسيفها في قمة ماليزيا 2019. فما هي أهداف القمة التي أثارت مخاوف أبوظبي وكيف سعت لإحباطها، وما هي انتقادات أردوغان ومهاتير وأمير قطر على أبوظبي؟

ما هي قمة كوالالمبور وأهدافها؟

على مدار 3 أيام من 18-20 ديسمبر الجاري، اجتمع في العاصمة الماليزية زعماء كل من تركيا وماليزيا وقطر وإيران ووفود إسلامية تمثل 18 دولة، بعد اعتذار رئيس وزراء باكستان والرئيس الاندونيسي.

وفي القمة، قال الشيخ تميم: "البعض نتيجة صراع المحاور، يتخذ من مجرمي الحرب حلفاء، وينسى بلاغته الكلامية ضد الإرهاب والإرهابيين حين يتبنى مليشيات مسلحة تعمل خارج القانون المحلي والدولي، وترتكب جرائم ضد المدنيين". المراقبون أكدوا أنه لم يذكر أبوظبي بالاسم، ولكنه ضمنيا كان يشير إليها، خاصة في ظل تفاقم التوتر مع قطر وتركيا في الملف الليبي ودعم أبوظبي والقاهرة المعلن لمجرم الحرب خليفة حفتر.

أما  أردوغان فقال، دون أن يذكر منظمة التعاون الإسلامي بالاسم: إن أكبر مشكلة تواجه المنابر التي تجمع العالم الإسلامي هي الافتقار للتنفيذ.  ودعا لإعادة تشكيل مجلس الأمن بحيث يتضمن تمثيل سكان العالم الإسلامي البالغ عددهم 1.7 مليار نسمة. ويقول المراقبون إن أردوغان يشير ضمنا أن السعودية تختطف منظمة التعاون الإسلامي، ونظام السيسي يختطف الجامعة العربية وأبوظبي تفرض رؤيتها على مجلس التعاون الخليجي، وأنه لا بد من الخروج من هذا التكلس وتحرير التكتلات الإقليمية من سيطرة دولة أو دولتين.

من جانبه، قال مهاتير محمد في كلمته الافتتاحية للقمة: القمة تهدف إلى فهم لماذا أصبح الإسلام والمسلمون ودولهم "في حالة أزمة وبلا حول ولا قوة وغير جديرين بهذا الدين العظيم". وأضاف: "نحن لا نميز ولا نعزل أحدا". وكان بذلك يرد على من يزعم أن القمة تستهدف شق عصا المسلمين، رغم أن أبوظبي هي التي اتبعت هذه السياسة عندما أسست عام 2014 مجلس حكماء المسلمين لمناهضة اتحاد علماء المسلمين، بل هي التي سعت إلى عزل السعودية وإقصائها عندما وقفت خلف مؤتمر غروزني عام 2016 عندما أخرجت السلفية من أهل السنة والجماعة، وكانت بذلك تعبث بعمق التلاحم الإسلامي والعلاقات البينية بين المسلمين وتفجر الفتن بينهم، على ما قال مشايخ السعودية أنفسهم آنذاك.

ولكن ما هو الهدف العاشر غير المعلن للقمة وأثار الرعب في أبوظبي؟

المذيع في قناة الجزيرة أحمد منصور، سرد في مقال له حول القمة، 10 أهداف لها، ذكر تسعة منها على أنها معلنة، فيما أكد أن العاشر غير معلن، وتكفل هو بإعلانه وكشفه، قائلا:" أما الهدف العاشر وغير المعلن هو إيجاد قيادة سياسية حقيقية للمسلمين فمنذ أن سقطت الخلاقة قبل حوالي مائة عام وهم أيتام لا قيادة لهم ولا زعامة ولا مهابة ولا سيادة".

وبحسب المراقبين، فإن هذا الهدف كاف لإثارة الرفض والاعتراض في معسكر الإمارات والسعودية ومصر وحلفائهم، مدركين أن أي نهضة حقيقية للمسلمين اليوم تعني أن هناك وحدة سوف تقوم على حساب جميع الجزيئات في المنطقة مهما كانت كبيرة.

ومن جانبه، المذيع في قناة الجزيرة فيصل القاسم، تحدث أيضا عن سياق هذه القمة وما تعنيه من صدامات بين معسكرين في المنطقة، قائلا: "تركيا اليوم، هي القوة العائدة من بعيد، والتي تحمل في جعبتها مشاريع محلية، واقتصادية وإسلامية وصولاً للعسكرية، تسعى من خلالهم لريادة العالمين العربي والإسلامي، مستغلة لذلك، بدء انهيار السيطرة السعودية على ذات المشاريع، وابتعادها عن أوجاع المسلمين والعرب، إضافة إلى انهيار ثقة الشارع العربي بأي دور فعال للرياض في حل أزماتهم ومناصراتهم".

وأضاف القاسم: "تركيا، اليوم أقرب بكثير إلى الشعوب العربية، من السعودية والإمارات، وإذا ما ذكرتم أي كلمة عن السعودية والإمارات ومن لف لفيفهم عند تلك الشعوب، سترى وجوههم كاظمة.. إن لم نقل شيئاً آخر…"، على حد تعبيره.

كيف واجهت أبوظبي هذه القمة؟

أبوظبي تدرك أنها لا تمتلك الثقل الكافي واللازم لإحباط قمة تجتمع فيها دول كبرى مثل تركيا وماليزيا، لذلك لجأت إلى الاستعانة بالسعودية ومصر. الأخيرة التزمت الصمت رسميا، في حين أن المملكة تبنت وجهة نظر أبوظبي وزعمت أن القمة تضر بوحدة المسلمين والتفاف على منظمة التعاون الإسلامي.

وكشف فيصل القاسم، أن الرياض اشترطت على ماليزيا أن تنعقد القمة تحت رعاية منظمة التعاون الإسلامي، أي تحت رعاية السعودية، بحيث تتحكم هي بجدول الأعمال وبمن يحضر ومن يغيب، لكن مهاتير رفض هذه الإملاءات، بحسب أحمد منصور أيضا.

وعليه، تركت أبوظبي ضاحي خلفان يغرد ضد القمة ليزعم أنه لا قمة بدون السعودية، وأنور قرقاش ليقول عبر تويتر أيضا، أنه لا نهضة إسلامية بدون مصر والسعودية، مع أن هاتين الدولتين رفضتا الحضور. وأخذ قرقاش يتحدث عن إضعاف المسلمين والتفتيت، متجاهلا أن أبوظبي هي التي فتت مجلس التعاون الخليجي وترفض أي فرصة للمصالحة ولم الشمل مجددا، وأنها هي التي تسعى لشق الجامعة العربية لإعادة نظام الأسد للقمة فوق جراح الشعب السوري، وغيرها من مشاريع ضد الحقوق والمصالح العربية خاصة فيما يتعلق حاليا بالقضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل.

ولم تكتف أبوظبي بالتغريد، فقد كشف أحمد منصور،  أن أبوظبي وفي كواليس القمة، رحبت بالحضور بل والمساهمة في تكاليف القمة إذا قبلت ماليزيا شروطها، التي لاتقل سوءا عن شروط السعودية فرفضت ماليزيا أيضا الشروط الإماراتية.

وتابع منصور:  فقامت أبوظبي "بمحاولة تخريب القمة  عبر الضغط علي إندونيسيا، إذ هددوا بسحب استثماراتهم المقررة بحوالي 10 مليارات دولار ومارسوا ضغوطا أخري جعلت الرئيس الأندونيسي  في البداية يعلن أن نائبه سيمثله في القمة ثم اعتذر النائب أيضا قبيل القمة مدعيا أنه أصيب  بنزلة برد وفي النهاية لم يحضر أي مسئول إندونيسي".

وتزامن أيضا ذلك مع جملة اتصالات وصفها مراقبون بأنها "اتصالات مواساة وعاطفية"، بين الملك سلمان والسيسي، والأخير ومحمد بن زايد، والأخير أيضا وعمران خان الذي تغيب عن القمة.

ماذا قال أردوغان ومهاتير عن ضغوط أبوظبي؟

مهاتير محمد تحدث عن الضغوطات الخارجية التي سعت لإلغاء قمة كوالالمبور، قائلا: "من الطبيعي أن نتعرض لضغوطات خارجية، عند القيام بأي أمر فإنك تجد من يدعمك ومن لا يدعمك، لكن الأهم من هذا هو أننا واثقون بأننا نقوم بالأمر الصحيح".

أما أردوغان فكان أكثر صراحة ووضوحا، عندما أكد أن باكستان تعرضت لضغوط سعودية من أجل ثنيها عن المشاركة في القمة. وأشار أن مثل هذه الضغوط التي تصدر عن السعودية وإمارة أبوظبي ليست الأولى من نوعها.

وعن الضغوط التي مارستها السعودية على باكستان لمنع مشاركتها، أوضح أردوغان أن السعوديين هددوا بسحب الودائع السعودية من البنك المركزي الباكستاني، كما هددوا بترحيل “4 ملايين باكستاني يعملون في السعودية” واستبدالهم بالعمالة البنغالية.

ماذا بعد القمة ونزق الخصومة بين أبوظبي والدول الناشطة؟

فيصل القاسم، اعتبر أن "هذه المرحلة هي فترة انهيار الدور السعودي، وصعود الدور التركي، وهذا النزاع لا بد سيشتد أكثر فأكثر مع إصرار كل الطرفين على فرض رؤيته بكل الأدوات من السياسية والدينية، وليس انتهاء بالعسكرية".

 وبغض النظر عن كل هذه الإرهاصات، فقد شهدت القمة التوقيع على 18 مذكرة تفاهم في مختلف المجالات بين الدول المشاركة، كتطبيق عملي ودفعة قوية لأهداف القمة. وأكد الزعماء المشاركون ضرورة إنشاء نظام مالي خاص في الدول الإسلامية بعيداً عن التبعية الغربية. 

وكانت أبرز اتفاقيتين: تعاون تركي-ماليزي، لتأسيس مركز لمحاربة الإسلاموفوبيا حول العالم، واتفاقية تهتم بتدريب العلماء والشباب وتبادل الخبرات فيما بين أنقرة وكوالالمبور.

ولفت المراقبون أن كوالالمبور شهدت أيضا وعلى مدى يومين، قمة شبابية للنقاش حول أفضل السبل لدعم دور الشباب في تنمية الدول الإسلامية. وتم الاتفاق على عدد من المشروعات التي تهدف لتطوير دور الشباب وتفعيله في التنمية في ستة محاور رئيسية؛ يأتي المحور السياسي على رأس المحاور، يليه المحور الاقتصادي، ثم الحوكمة والثورة الصناعية، وريادة الأعمال والتعليم. وقد اعتبر ناشطون أن القمة الشبابية بالنسبة لأبوظبي والرياض والقاهرة لا تقل "سوءا" وخطورة عن قمة زعماء العالم الإسلامي الجدد، على حد تعبيرهم، ما يعني أن الصراع الفكري والسياسي بين هذه الأطراف سيكون العنوان الأبرز طوال العقد القادم الذي يبدأ بعد نحو أسبوع.

 

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 23-12-2019

مواضيع ذات صلة