أبوظبي وتل أبيب في مواجهة الإسلاميين وحقوق الإنسان.. نظامان اثنان وسياسة واحدة!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 16-12-2019

 

كان عام 2019، والمسمى من جانب الحكومة بعام "التسامح" الأكثر نزوعا نحو التطبيع بين أبوظبي وإسرائيل. وفي يونيو الماضي كشفت صحيفة "معاريف" العبرية حجم الشراكة بين الجانبين. وأكدت الصحيفة أن "الخوف من الخطر، الذي تمثله جماعة "الإخوان المسلمين" والحاجة إلى مواجهتها يعد أهم المصالح المشتركة التي تربط الطرفين". ولفتت إلى قضية في غاية الأهمية: "أبوظبي تطور علاقتها بإسرائيل كإمارة وبشكل مستقل وليس بوصفها ممثلة لدولة الإمارات". "الإمارات71" رصد العديد من المشتركات والسياسات والإجراءات المتماثلة التي تتبعها تل أبيب وأبوظبي على حد سواء، في مواجهة الإسلاميين والناشطين الحقوقيين. فما هي هذه السياسات الواحدة والموحدة لنظامين أمنيين اثنين؟!

ما هي السياسات الإسرائيلية في مواجهة الناشطين والمنظمات الحقوقية؟

أصدر، الأسبوع الماضي، وزير الأمن الإسرائيلي الجديد "فتالي بينيت" قرارا يقضي بملاحقة عدد من الفلسطينيين والعرب العاملين في نصرة القضية بزعم "دعم الإرهاب". وكان أول من طالهم هذا القرار الناشط الحقوقي الفلسطيني المقيم في بريطانيا محمد جميل رئيس "المنظمة العربية لحقوق الإنسان". وبرر الاحتلال استهدافه لجميل بوجود علاقات مع حركة حماس. وتوعدت حكومة الاحتلال بأن هذا القرار لن يقتصر فقط على جميل، بل سيطال الكثير من الأسماء والمؤسسات المعروفة بدعمها لفلسطين.

وقال بيان للوزارة الإسرائيلية: إنه "في قلب هذه الخطوة، هناك مفهوم واضح مفاده أن دولة إسرائيل ستعمل على مكافحة الإرهاب الإسلامي باستخدام أدوات غير عسكرية إضافية، مع التركيز على العقوبات الاقتصادية من أجل تجنب المؤسسات في جميع أنحاء العالم الاتصال بالإرهابيين".

وفي أواخر نوفمبر الماضي، طردت الحكومة الإسرائيلية مدير مكتب إسرائيل وفلسطين في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، عمر شاكر رغم أنه مواطنا أمريكيا. وقال كينيث روث، المدير التنفيذي في المنظمة الحقوقية: "من غير المرجح أن حكومةً تطرد باحثا حقوقيا بارزا ستكف عن اضطهادها المنهجي للفلسطينيين تحت الاحتلال بدون ضغوط دولية أكبر بكثير".

سعت السلطات الإسرائيلية مؤخرا إلى تقويض عمل النشطاء الحقوقيين، بما في ذلك منع دخول عدد من النشطاء الحقوقيين الدوليين، وتشويه سمعة النشطاء الحقوقيين الإسرائيليين، وفرض أعباء مالية مرهقة عليهم، ومداهمة مكاتب النشطاء الفلسطينيين واعتقالهم. وفي أكتوبر ، منعت السلطات أحد موظفي "منظمة العفو الدولية" من السفر خارج الضفة الغربية المحتلة "لأسباب أمنية" غير معلنة.

كيف واجهت إسرائيل الحركة الإسلامية داخل الوسط العربي؟

في نوفمبر 2015 اتخذت "إسرائيل" قراراً بحظر الحركة الإسلامية وإغلاق مؤسساتها، وعملت على تعديل قانون "الإرهاب" الذي دخل حيز التنفيذ في حينه أيضا. ويقضي هذا القانون بتوسيع صلاحيات وزير الحرب "الإسرائيلي" بتصنيف أي حزب أو حركة "جماعة إرهابية" واعتقال القيادات إدارياً وفرض الإقامة الجبرية دون التمكين من الاستئناف لدى القضاء.

وأعلنت حكومة تل أبيب أنها بصدد دراسة إدراج الحركة على قائمة الإرهاب، بعد أن اتهمت بل وأدانت رئيس الحركة سابقا، رائد صلاح، بالتحريض على الإرهاب، كونه دعا للدفاع عن المسجد الأقصى في مواجهة التهويد. هذه الحركة هي النسخة الإخوانية داخل فلسطين التاريخية التي تخضع بالكامل للاحتلال الإسرائيلي والسيادة الكاملة للدولة العبرية.

ويقول مراقبون، إن هذا الحظر جاء بعد أن حذر المسؤول في الحركة كمال الخطيب أكثر من مرة بأن أبوظبي تسهل عمليات بيع وشراء العقارات في القدس من الفلسطينيين إلى المستوطنين.

والآن، ما هي تجربة أبوظبي في التعامل مع النشطاء الحقوقيين والمنظمات الحقوقية؟

مبكرا بدأت أبوظبي هذه المعاملة، فإلى جانب اعتقال المئات الحقوقيين والناشطين في الدولة ومحاكمتهم لنشاطهم السلمي، أغلقت عام 2012 مكتب مؤسسة "كونراد آديناور" الألمانية، و التي تهتم بدعم الديمقراطية وسيادة القانون وتعزيز السلام. واعتبر وزير الخارجية الألماني "غيدو فيسترفيله" آنذاك أن ذلك "تطورا مقلقا للديمقراطية والحرية"، مطالبا دولة الإمارات بالعدول عن قرارها.

وفي يناير 2014، قالت "هيومن رايتس ووتش": إن سلطات دبي منعتها من إقامة مؤتمر صحفي في الإمارة للكشف عن تقرير تنتقد فيه دولة الامارات، رغم أنها اتبعت الإجراءات القانونية والفنية في مثل هذه الحالات قبل شهر من منعها.

وقبل المؤتمر بيوم، رفضت سلطات أبوظبي السماح لـ سارة ليا ويتسن، المسؤولة في "هيومن رايتس ووتش" دخول الإمارات.

وفي مايو 2017، أعلنت وزارة الخارجية الامريكية أن أبوظبي أغلقت مكتب "المعهد الديمقراطي الوطني" في دبي، وهو مركز مؤيد "للمجتمع المدني والتنمية والقيم الديمقراطية" وفق الخارجية الأمريكية.

ولكن، ماذا عن محاربة أبوظبي للإسلاميين؟

في عام 2014، وقبل حظر إسرائيل للحركة الإسلامية، أعلنت أبوظبي عن وضع جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي على قائمة "الإرهاب"، بعد أن حظرتها بشهور. وجاء في هذه القائمة نحو 80 منظمة إعلامية وحقوقية وخيرية وبحثية جميعها إسلامية، والغالبية العظمى منها تنتمي للتيار الإسلامي الوسطي المعتدل غير المتورط لا بعنف ولا بتطرف ولا تشدد، بحسب ما يؤكده مناصرون لهذا التيار الذي يعتبرونه ذا شعبية جارفية في الشارع العربي.

وضمت القائمة منظمات إسلامية سلمية تعمل في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والنروج، وكلها من الدول المشهود لها بالتضييق على التطرف والإرهاب، وهو ما يعني انتفاء اتهامات أبوظبي عن هذه المؤسسات المدنية السلمية.

وكما برر الوزير الصهيوني ملاحقة الناشطين الحقوقيين، بررت صحيفة "الخليج" الصادرة في الشارقة، قائلة: "لقد جاء قرار مجلس الوزراء، انطلاقاً من موقف دولة الإمارات الثابت الرافض لكل أشكال الإرهاب والتطرف والتكفير، ليؤكد أنها مصممة على اجتثاث كل ما يسيء إليها ويهدد الأمة ويحمي الدين الإسلامي الحنيف، وهي في هذا الموقف إنما ترسي واقعاً آمنت به دولة الإمارات وقيادتها الحكيمة في أن تتقدم الصفوف في معارك الحق والدفاع عن القضايا الإنسانية التي تؤمن بها"، على حد قولها.

ولكن هذه القائمة واجهت رفضا محليا ودوليا واسعا على المستوى الشعبي والرسمي. فقد انتقد مركز "الخليج للدراسات والأبحاث الاستراتيجية"، معتبرا "أن قائمة الإمارات للمنظمات الإرهابية تقضي على أي أمل في حياة مدنية في الإمارات".

وأكد المركز على أن تصنيف  المنظمات الإسلامية "إرهابية" يرسل رسالة سلبية لجيل الشباب، ويضعه أمام خيارات عدمية، في الوقت الذي تواجهالمنطقة تحديات تتطلب حشد الطاقات.

ومن جهتها، نددت جمعية الإصلاح على هذا التصنيف قائلة:" تأتي القائمة بعد اعتماد قانون الإرهاب الذي جاء كالمسمار الأخير في نعش الحياة المدنية، وليبرر ضرب أي صوت معتدل، وهو ذريعة لاعتقال أي إنسان بحجة الإرهاب، وهو بمثابة إنزلاق إلى هاوية خطيرة. إن هذه القائمة لمؤشر خطير على فقدان البوصلة التي تأسست عليها الدولة"، حسب تعبير البيان.

وعلى صعيد ردود الفعل الدولية على قائمة أبوظبي الإرهابية، قالت واشنطن إنها تقوم بإجراء اتصالات مع دولة الإمارات، تستوضح خلالها أسباب إدراج منظمتين إسلاميتين أمريكيتين في قائمة الإرهاب، ودافعت في ذات الوقت عن هذه المنظمات الإسلامية لديها.

ومن جهتها، طالبت الحكومة البريطانية، أبوظبي بتوضيحات حول أسباب وضعها ثلاثة مؤسسات إسلامية بريطانية على قائمة الإرهاب، كون هذه المؤسسات تعمل في مجال الإغاثة بكل شفافية.

وكذلك، طالبت وزارة الخارجية النرويجية من أبوظبي توضيحاً تبين فيه سبب إدراج المجلس الإسلامي النرويجي في قائمة الإرهاب، كون المنظمات المستهدفة هي منظمات مدنية سلمية. والمفارقة، أن النرويج حاكمت بعد شهور من صدور القائمة الإرهابية المدعو لؤي ذيب الذي كان يدير مؤسسة حقوقية لصالح الإمارات تورطت في غسل أموال واتهمت بالتخطيط لتنفيذ تفجيرات إرهابية في الشرق الأوسط، وصدر حكم على "ذيب" 4 سنوات ونصف مطلع ديسمبر الجاري جراء جرائمه الإرهابية.

وفي هذا السياق، يلفت المراقبون، أن حظر الحركة الإسلامية في إسرائيل جاء بعد حظر مماثل اتخذته أبوظبي ضد جمعية الإصلاح في الإمارات، كما اتضح قبل قليل. وحتى تعامل إسرائيل الخشن مع المنظمات الحقوقية جاء أيضا بعد إجراءات اتخذتها أبوظبي في هذا الإطار، ما يضع تساؤلا ليس حول مدى التنسيق الأمني وتبادل الخبرات الاستخبارية بينهما، وإنما حول: من يلهم من في هذه السياسات؟! بل إن التساؤل الأبرز: إذا كان منطقيا أن تعادي دولة الاحتلال الإسلام والمسلمين وتقمع الحقوقيين ومنظمات حقوق الإنسان لإخفاء سياسات نظام احتلال عنصري استعماري دموي، فما هي دوافع أبوظبي المسلمة العربية في فعل الشيء نفسه؟!

 

 

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 16-12-2019

مواضيع ذات صلة