دهاء محمد بن زايد في "استخدام" محمد بن سلمان.. قراءة في السذاجة السياسية!

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 1236
تاريخ الخبر: 07-04-2018


منذ نحو 10 سنوات، وتتشكل لدى قيادة دولة الإمارات وتحديدا لدى ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد مشروعا إقليميا، عنوانه الأبرز: استثمار الدولة كامل قوتها وقدراتها لتحقيق أهدافها السياسية، والتي اتضح معظمها مع اندلاع الربيع العربي أواخر 2010. يدرك محمد بن زايد،  بحسب مراقبين، أن الوزن الاستراتيجي لدولة الإمارات، وإن كانت ذات ملاءة مالية كبرى، لا يؤهلها لأن تكون قوة إقليمية مؤثرة. 
لذلك، استعان بذكائه ودهائه في تحقيق ما وصفه محللون غربيون "إمبراطورية الإمارات" أو "إسبرطة الصغيرة". فكيف نجح محمد بن زايد بأن يكون رقما صعبا تحسب له أنظمة المنطقة حسابا، وكيف نجح بـ"توظيف" محمد بن سلمان وهو القيادة السعودية لخمسين عاما قادمة، بحسب ترويج يوسف العتيبة للأخير؟! وهل العلاقة بين وليي عهد أبوظبي والسعودية علاقة استخدام، أم علاقة عابرة يحقق كل مصالحه؟! وما هي مؤشرات السذاجة السياسية في شخصية محمد بن سلمان التي سمحت أن يُستعمل بهذه الطريقة؟


شخصية محمد بن زايد و"إمبراطورية الإمارات" 
في 2016، نشر الصحفي الأمريكي جيفري غولدبيرغ المقرب من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مقالا في مجلة "ذا أتلنتك" الأمريكية، تحدث فيها عن محمد بن زايد. وبحسب "المجلة"، فإن الأخير، هو واحد من عدد قليل من القادة العرب الذين يعتقد أوباما أنه موضوعي، وأنه مفكر استراتيجي، وأنه الزعيم الأكثر إثارة للإعجاب، في منطقة الخليج. ويضيف الكاتب، على نحو متزايد، والمسؤولون في إدارة أوباما يفهمون أن دولة الإمارات لاعب حاسم في مجلس التعاون الخليجي.
واستطاعت سياسة محمد بن زايد، سواء نتفق معها أو نتحفظ، خلال سنوات قليلة أن تجعل بالفعل من دولة الإمارات لاعبا إقليميا ممتد النفوذ في إفريقيا وآسيا، بصورة دفعت معهد واشنطن لوصف أبوظبي في دراسة لها، أنها "صانعة الملوك" في إفريقيا. فيما وصف وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس دولة الإمارات بأنها "إسبرطة الصغيرة"، وذلك قبل توليه منصبه.
ولا يختلف اثنان أن شخصية سياسية تقوم بكل هذه الأدوار، بما فيها دعم نظام الانقلاب في مصر والتدخل في ساحات دول عديدة من ليبيا إلى اليمن فالمغرب والأردن وتونس والسودان، وأخيرا الأزمة الخليجية -هي شخصية تتمتع بكاريزما "خاصة"، وبمكر ودهاء يحملهما لن نجد صعوبة في الاعتراف بهما.
من جهته، تحدث ديفيد هيرست مدير تحرير موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، عما أسماه "مخطط الإمبراطورية الإماراتية" و أن "اتساع النفوذ الإماراتي في المنطقة، وصل للتلاعب بمصائر دولها"، على حد تعبيره. 
وبعد أن بسط "هيرست" عددا من أداء يوسف العتيبة الدبلوماسي في واشنطن، عقّب قائلا:" "بمقدورهم أن يتدخَّلوا، ويُنصِّبوا حكاماً ديكتاتوريين، ويُدبِّروا انقلابات، وبمقدورهم استخدام القوة القصوى، لكن لن يحظى حكمهم أبداً بقبولٍ شعبي"، على حد قوله. 


شهادات بقدرات محمد بن زايد
مؤخرا، قال الأستاذ بشعبة الدراسات الدفاعية بكلية لندن الملكية أندرياس كريغ في مقال له بموقع "ميدل إيست آي": إن الإمارات أنشأت "لوبيا" خاصا بها ليس للتأثير في صناعة القرار الأميركي فحسب، بل لتغيير كامل السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
وأوضح أن شبكة معقدة من المحافظين الجدد التي وحّدت بين اللوبيات الإسرائيلية وعملاء الإمارات نجحت في خلق "مطبخ قوي" لا يمكن للجمهوريين ولا البيت الأبيض أن يتجاهلوه.
وكما يشير تحقيق المحقق الخاص روبرت مولر، ربما تكون الإمارات قد أصبحت الأكثر تأثيرا على سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، كما أصبح تأثيرها يضاهي تأثير اللوبي الإسرائيلي (أيباك).
وأنشأت الإمارات، بحسب الكاتب، بشكل بارع وماكر شبكة من صناع القرار السياسي والباحثين والخبراء والحسابات الإلكترونية "المفبركة" بالولايات المتحدة والتي تحاكي في كثير من الأوجه طرق بث الرسائل من قبل اللوبي الداعم لـ إسرائيل. وقد استخدم محمد بن زايد كل هذه البنية من أجل القبول بابن سلمان.


محمد بن زايد والسعودية 
وكحالة قائمة على دهاء محمد بن زايد، نشر الصحفي الشهير روري دوناجي في صيف 2016 مقالا على موقع “ميدل إيست آي” شرح فيه ما أسماه “خطة” يقف خلفها ويدعمها محمد بن زايد لتنصيب ابن سلمان ملكا السعودية، بدلا من محمد بن نايف.
وقامت نصائح محمد بن زايد على استراتيجيتين اثنتين: “إنهاء حكم الوهابية” في السعودية، و فتح “قناة قوية من التواصل” مع إسرائيل. والمتتبع لتصريحات محمد بن سلمان خلال الأسبوعين الأخيرين أثناء زيارته المطولة للولايات المتحدة حول الاعتراف بإسرائيل والتبرؤ من الوهابية يدرك مدى دهاء ولي عهد أبوظبي في نجاح مخططه لوصول محمد بن سلمان للسلطة. يقول مراقبون، وكأن ولي عهد أبوظبي رسم خارطة طريق كاملة يسير بمقتضاها محمد بن سلمان لا يزيغ عنها.
ويقول المراقبون، إن محمد بن سلمان بات بمثابة القفازات التي يرتديها محمد بن زايد، لممارسة أدوار وسياسات لا ترضى عنها شعوب المنطقة فيما يتعلق بعدد من القضايا التي وجد ابن سلمان نفسه متورطا فيها كما سنرى بعد قليل. لذلك، يعتقد متابعون أن محمد بن زايد بدأ يحصد ثمار "غرسه" في تلميذه، ويفرك يديه فرحا، وسط صمت مطبق من جانب أبوظبي إزاء كل مواقف محمد بن سلمان التي أطلقها من واشنطن.
يقول "دوناجي" إن هذه الخطة التي دعمها محمد بن زايد، هي خطة مدبرة بشكل جيد من قبل شركات العلاقات العامة في الولايات المتحدة”، وساهم في ترويجها بقوة سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، إذ سيتم التركيز على محمد بن سلمان  وتقديمه كبطل من قبل الصحافة، والكونغرس، والأوساط الأكاديمية”. 
وكان "هيرست"، قد  وصف دور العتيبة " بالغريب"؛ "فبإمكانه نشر إطراءاتٍ تخلو من النقد لمحمد بن سلمان، في صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست". وبإمكانه أن يَشْغَل أجزاءً من جدول ترامب الرئاسي، وبإمكانه ترتيب لقاءاتٍ سرية مع الرئيس، وبإمكانه تشويه سمعة ابن عم محمد بن سلمان الذي كان ينافسه، الأمير محمد بن نايف.


السيطرة على السعودية
يقول "هيرست": يعتقد العتيبة بالفعل أنَّ "سيده، محمد بن زايد، قد سيطر على السعودية مع صعود محمد بن سلمان، الذي يُمثِّل كتلة الشمع اللينة المثالية لتنطبع عليها المُخطَّطات الإماراتية، على حد قول "هيرست". 
وكرر "هيرست" في (28|3)، أكثر من مرة أن هناك دورا لمحمد بن زايد، في الإطاحة بمحمد بن نايف، لصالح محمد بن سلمان القريب من توجهاته. وقال هيرست، في حوار ضمن برنامج "بلا حدود" على قناة "الجزيرة"، إن ولي عهد أبوظبي هو من يدير نظيره السعودي بن سلمان، على حد زعمه.
وكانت صحيفة “واشنطن بوست” وصفت الروابط بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان كعلاقة المعلم (محمد بن زايد) بالتلميذ (محمد بن سلمان.
وبلغ من دهاء محمد بن زايد، أن كشفت مجلة "نيويوركر" الأميركية مطلع أبريل الجاري، عن تحذيرات مبكرة أطلقها محمد بن نايف، منبها فيها من مخاطر ما أسماها "مؤامرة إماراتية" لإثارة الخلافات بين أفراد الأسرة السعودية الحاكمة. وكشفت المجلة عن رسالة وجهها الأمير محمد بن نايف إلى الملك سلمان بن عبد العزيز حذر فيها من "مؤامرة يقودها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد لإثارة الخلافات داخل القصر الملكي السعودي".
ابن نايف أكد في الرسالة أن "محمد بن زايد يخطط لاستخدام علاقاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتحقيق مآربه ومخططه الرامي إلى التدخل في الشؤون الداخلية السعودية".
 وقد كان اختيار محمد بن زايد "موفقا" في اختيار محمد بن سلمان، كتلميذ له، إذ نقلت "نيويوركر" عن مسؤول أميركي سابق روايته عن "كيفية بحث إدارة ترمب عن عميل لتغيير المنطقة ووجدت ضالتها في الأمير محمد بن سلمان، فقررت احتضانه ليكون عميلها لتحقيق التغيير في المنطقة". 
ومجددا تطرق تحقيق "نيويوركر" إلى دور سفير الإمارات في واشنطن في حملة الترويج لمحمد بن سلمان في الدوائر الأميركية، مضيفا أن محمد بن زايد "هو من ساعد محمد بن سلمان على تحقيق نفوذه لأنه رأى فيه صورة "زعيم شغوف لمحاربة أعدائه". 


 شخصية محمد بن سلمان
دأبت وسائل الإعلام الغربية على وصف بمحمد بن سلمان بقليل الخبرة والمتهور. ولكن أكثر ما ينطبق على شخصيته هو "السذاجة" السياسية التي جعلت منه "ألعوبة" بيد الآخرين، على ما يقول مراقبون.
وبالتفصيل، قال "هيرست": اجتمعت كل روافع السلطة الآن في يدِ شابٍ غير مُخضرمٍ يهوى المجازفة، كان قد أسَّسَ لنفسه، في الوقت القصير الذي قضاه على رأسِ وزارة الدفاع، سمعةً تلخصت في التهوُّر. 
ومؤخرا، أضيف وصف "مجرم حرب"، كل هذه الصفات هي الآن لصيقة بمحمد بن سلمان فقط، ولا يوجد من يعتقد بذلك إزاء محمد بن زايد الذي أثبت أنه رجل دولة وصانع "ملك السعودية" المقبل. 
وورط محمد بن سلمان نفسه في ملفات وقضايا المنطقة بصورة لم يكن للرياض أن تتورط فيها، لولا اندفاع ابن سلمان للاستجابة لكل ما يُملى عليه، ولم يكن ليتصرف بهذه الطريقة في حال كان يتقاطع بتوجهاته وسياساته تماما مع ولي عهد أبوظبي.
فبحسب التسريبات، فإن محمد بن سلمان قال إن تركيا وإيران والقاعدة وداعش والإخوان هم مثلث الشر. وبحسب التصريحات الرسمية له، فقد أزال تركيا، واكتفى بذكر الإخوان، لأنه يعتقد أن لفظ الإخوان يشتمل على تركيا. لذلك، يقول مراقبون، إن ابن سلمان يستعدي تركيا وقطاع واسع من التيار الإسلامي الشعبي في العالم الإسلامي، وهي مواقف تتفق ومصالح أبوظبي.
وبالنسبة لإيران، فإن محمد بن سلمان يعاديها من جهة، ولكنه يتقارب مع شيعة العراق من جهة أخرى، ويعتقد بحسب تصريحات له لصحيفة "تايمز" الأمريكية بتاريخ (6|4) أنه من المهم أن يكون نظام الأسد قويا في سوريا، إلى جانب أن الإمارات هي ثاني شريك اقتصادي لإيران بمدفوعات تبلغ 9 مليارات دولار لعام 2017.
وإزاء ذلك، يقول محللون إن أبوظبي تعادي إيران من أجل السعودية فقط على سبيل المجاملة ليس أكثر، وما سبق يعني أن أجندة محمد بن سلمان تتوافق تماما مع أجندة الإمارات فيما يخص نظام الأسد وشيعة العراق.


 ابن سلمان ينفذ أجندة محمد بن زايد
ربما، يدرك، أو لا يدرك محمد بن سلمان أنه ينفذ أجندة محمد بن سلمان في عدد من ملفات المنطقة، وخاصة في العلاقات مع إسرائيل ومواجهة السلفية والوهابية. تحدث عن الوهابية "بعداء" شخصيات مقربة من ولي عهد أبوظبي، وكتاب "السراب" الذي يطعن بالسلفية والوهابية أساس شرعية نظام الحكم في السعودية، لجمال السويدي ، يُدّرس اليوم لطلبة الثانوية العامة في الإمارات. 
وكذلك، فيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل ومكافحة "التطرف والإرهاب". فأبوظبي لا تخفي ميلها لإقامة علاقات مع إسرائيل بزعم مواجهة الإرهاب، وترى أن استمرار القضية الفلسطينية – وليس الاحتلال- هو عامل مغذ للإرهاب والتطرف في المنطقة، لذلك من مصلحتها مواجهة ذلك.
أبوظبي لا تمتلك الثقل المناسب للاقتراب من ملف القضية الفلسطينية، ولا تستطيع أن تطعن الوهابية والسلفية بأكثر من كتاب. لذلك، كان محمد بن سلمان وبما تمثله السعودية من ثقل، هو الشخص المناسب للقيام بهذه الدورين.
ففي زيارة محمد بن سلمان للولايات المتحدة، زعم أنه لا توجد وهابية في المملكة، وأن نشر السلفية كان استجابة لطلب حلفاء السعودية أثناء الحرب الباردة منها أن تقوم بذلك لمواجهة الاتحاد السوفياتي. 
وعن القضية الفلسطينية، أعرب ابن سلمان أنه من "حق" اليهود أن يعيشوا في "أرضهم" (فلسطين) بأمن، مؤكدا وجود مصالح مشتركة بين الرياض وتل أبيب، معتبرا أن حماس مثلها مثل داعش تشكل تحديا للسعودية.
وهذه القضايا، التي ترّفع ولي عهد أبوظبي عن الخوض بها مباشرة كونه يدرك مدى الخسارة الشعبية، ترك المهمة لابن سلمان الذي أثبت مرة أخرى أنه قابل للاستعمال من قبل الآخرين.
 
جدل حول طبيعة العلاقة بين الرجلين
رغم كل ما قيل ويقال عن علاقة الرجلين، إلا أن هناك من يتوقع في لحظة ما وقوع خلافات حادة بينهما. فقد قال "هيرست": لكن بمجرد أن يصل ابن سلمان إلى السلطة، قد لا يعد ملائماً للملك الشاب أن يتلقّى النصح من ولي عهد دولةٍ أصغر كثيراً. وببساطةٍ قد تتفرَّق مصالحهما. 
ومن جهته، «سعد الفقيه» أحد أبرز الإسلاميين السعوديين الإصلاحيين،  قال في مقابلة سابقة مع موقع "ساسة بوست":النظام السعودي الحالي لا يحتاج الإمارات ومصر لمواصلة الحرب مع المعارضة؛ لأنّ الوسائل الأمنية والإعلامية والمالية والمخابراتية التي بيد النظام كافية، والمبالغة في الحديث عن هذا الحلف ربما يضعف النظام أكثر؛ وقد يضره بسبب السمعة السيئة لمصر والإمارات.
وأضاف:لا أعتقد أن ابن سلمان يتبع محمد ابن زايد. صحيح أن الأخير "له فضل عليه في تقوية الصلة مع نتنياهو وترامب ونفعه بخبرته في استخدام البلاكووتر والمرتزقة. لكنه فيما عدا ذلك مجرد تشابه التوجهات والأذواق، وتطابق الموقف من الإسلاميين والشعوب والعروبة. كلاهما يكره الإسلام، ويكره العروبة، ويؤمن بعظمة الصهاينة، وأنهم هم الذين يضمنون السلطة"، على حد تعبيره. 



خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 1236
تاريخ الخبر: 07-04-2018

مواضيع ذات صلة