رفع الحصانة عن الأمير البحريني.. هل يفتح ملف التعذيب في الخليج؟

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 09-10-2014

قضت المحكمة العليا البريطانية في (7|10) بأن الأمير ناصربن حمد آل خليفة، ابن ملك البحرين، و قائد الحرس الملكي، غير محصن في بريطانيا من المقاضاة في ادعاءات بتعذيب معارضين بحرينيين، بعد أن اتهمه حقوقيون ، بتعذيب سجناء اعتقلوا خلال مظاهرات شهدتها البحرين عام 2011. ويفتح قرار المحكمة العليا الطريق أمام القبض على الأمير البحريني إذا زار بريطانيا، بحسب ما يقوله خبراء في الشؤون القانونية. وفي حين يرى البعض أن القرار القضائي البريطاني يسجل سابقة مهمة في تاريخ مساءلة المدانين بقضايا التعذيب، يعتقد كثيرون بأن هذا القرار قد يفتح ملف التعذيب في الخليج بصفة عامة، ويضغط باتجاه التحقيق بمزاعم التعذيب التي دائما يرددها ناشطون في مختلف دول الخليج، ومن ثم المحاسبة ولو بعد حين، فهل يشكل رفع الحصانة عن الأمير البحريني رادعا لمسؤولين وأمراء وشيوخ آخرين في الخليج، وكيف يمكن للناشطين الاستفادة من هذه السابقة القضائية؟

 مزاعم التعذيب

تزايدت ادعاءات الناشطين الخليجين بتعرضهم للتعذيب بعد "مجزرة" الاعتقالات التي طالت معظمهم في دول الخليج في أعقاب الربيع العربي، فقد تم اعتقال العشرات منهم في البحرين والإمارات والسعودية وأقل من هذا العدد في الكويت وسلطنة عمان، إضافة إلى حالة أو حالتين في قطر. وأخذت روايات الناشطين بتعرضهم للتعذيب تزداد انتشارا وخاصة في الحالة الإماراتية والبحرينية والسعودية التي وثقتها معظم تقارير حقوق الإنسانالأممية وتقرير الخارجية الأمريكية لعام 2013.

واتهم  تقرير وزارة الخارجية الأمريكية أجهزة أمن خليجية بالتعذيب وخص السعودية والإمارات والبحرين. ففي حالة الإمارات قال التقرير: "إن دستور البلاد يحظر التعذيب، إلا أنه في الوقت ذاته كانت هناك مزاعم تفيد عن ممارسة مسؤولين حكوميين التعذيب". وتابع التقرير: "وكانت هناك عدة تقارير تذكر عن وحشية الشرطة وحراس السجون وتقارير إضافية تفيد أن أعضاء مجهولين ممن ينتسبون إلى قوات الأمن يسيؤون معاملة المحتجزين".

وأشار التقرير إلى حالات التعذيب، فقال:" قام حراس السجون بإخضاع السجناء للضرب والصعق بالصدمات الكهربائية، وتعريضهم لحرارة شديدة جداً أثناء تواجدهم في الحبس الانفرادي. وتعرض السجناء لتهديدات الحراس بإصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية أو الاعتداء الجنسي أو الموت أو تعريضهم لمزيد من التعذيب لعدم اعترافهم بالتهم الموجهة ضدهم".

أما النائب البريطانية كاتي كلارك، فقد طرحت مطلع العام الجاري في البرلمان البريطاني بكل وضوح ما أ سمته "أسئلة التعذيب في الإمارات"، إذ أكدت بأنها تلقت جوابا من حكومتها، يفيد: بأن العلاقات الوثيقة بين المملكة المتحدة وحكومة الإمارات تسمح بمناقشة أية مسائل حساسة بما فيها حقوق الإنسان، وعلى كل المستويات". وكانت النائب تتحدث إلى البرلمان أثناء مناقشة التعذيب في الإمارات بصفة خاصة.

ولا يختلف الحال في دول الخليج والدول العربية عامة عن حالات التعذيب التي تحتل حيزا يتسع كل عام عن سابقه في تقارير حقوق الإنسان الرسمية و شبه الرسمية. ففي السعودية مثلا، قالت منظمة العفو الدولية في تقريرها حول حقوق  الإنسان لعام 2013:" وردت أنباء عن أن أفعال التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة للمعتقلين والسجناء المحكومين كانت منتشرة ومتفشية وتُرتكب بدون حساب أوعقاب بوجه عام. ومن بين أساليب التعذيب التي ذُكرت: الضرب والتعليق من الأطراف والحرمان من النوم. وكان المحتجون من بين الذين تعرضوا للتعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لعدة أيام أو أسابيع بدون تهمة أو محاكمة".

السلطات الخليجية تنفي

في الواقع فإن معظم ما يتحدث به النشطاء من حالات تعذيب لا يقدم عليها أدلة ثبوت قطعية وملموسة، ويفسرالناشطون ذلك بعدم إمكانية تقديم أدلة لأن التعذيب يتم في سجون لا تخضع لأي نوع من أنواع الرقابة القضائية أو الحقوقية، ولا تسمح أي حكومة خليجية لوفود حقوقية بزيارة السجون والالتقاء بالناشطين الذين يصرون على تعرضهم للتعذيب.

أما السلطات الخليجية عامة، فتتمسك بروايتها التي تنفي كل ادعاءات التعذيب، وتعتبر أن هذه الإدعاءات جزء من"مخطط" للناشطين مع منظمات حقوق الإنسان التي تشكك حكومات خليجية بأهدافها باستمرار.  ولكن في الإمارات سمحت الحكومة الإماراتية على نطاق محدود لجمعية حقوق الإنسان الإماراتية بزيارة سجون إماراتية زعم فيها معتقلون أنهم تعرضوا للتعذيب، غير أن هذه الجمعية التي يتهمها الناشطون بانحيازها للجهات الرسمية الإماراتية نفت وجود تعذيب في هذه السجون. ولكن الأمر المثير للاستغراب، إذا كان المعتقلون بالفعل لا يتعرضون للتعذيب فلماذا لا يسمح لجمعيات حقوق الإنسان الأممية بزيارة السجون وتفقدها، ثم إصدار تقرير شامل لتضاف شهادته إلى الشهادات التي تهتم فيها الإمارات في مجالات أخرى، لترد على جميع التقارير والمنظمات الدولية التي قد تتربص بسمعة الإمارات.

وفي يناير من العام 2014 رفضت الحكومة الإماراتية السماح للمبعوثة الأممية "جابريلا نول" بزيارة السجون، وقالت "نول" في إحدى توصياتها:" أحث دولة الإمارات على مواصلة التعامل مع آليات حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص أوصي بأن يتم دعوة المقرر الخاص المعني بمناهضة التعذيب وغيره من صنوف المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أوالعقوبة، والمقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية،وفريق العمل المعني بحالات الاخفاء القسري للقيام بزيارات رسمية".

اتفاقية مناهضة التعذيب

في يوليو2011 أشارت منظمة العفو الدولية إلى انضمام دولة الإمارات إلى «اتفاقية مناهضة التعذيب» الصادرة عن الأمم المتحدة، ولكنها استدركت بالقول:" لكن الإمارات لم تقر باختصاص «لجنة مناهضة التعذيب» بالأمم المتحدة في التحقيق في ادعاءات التعذيب. كما أبدت الحكومة تحفظاً على الاتفاقية، فذكرت أنها ترى أن «الألم والمعاناة الناجمين عن العقوبات القانونية» لا يندرجان تحت تعريف التعذيب الوارد في الاتفاقية". ولا يزال عددمن دول مجلس التعاون الخليجي لم توقع بالانضمام لهذه الاتفاقية.

القرار البريطاني رادع

يعتبر القرار القضائي البريطاني رادعا لمسؤوليين خليجيين مهما كانوا من ممارسة التعذيب، إذ يوجد  اليوم عشرات الناشطين الخليجيين في مختلف العواصم الأوروبية وإذا تقدم أي منهم للمحاكم الأوروبية عموما ولندن خصوصا بادعاء قضائي في جرائم التعذيب، فليس من المستبعد أن يتم معاملة الدعاوى الجديدة كما تم التعامل مع الدعوى ضد الأمير البحريني ورفع الحصانة عنه والتحقيق معه بل وإصدارأحكام قضائية ضده. لذلك فإن هذا القرار قد يؤدي إلى فتح ملف التعذيب في الخليج بالصورة التي تحاسب المسؤولين عنه، وتمنع عمليات تعذيب جديدة، وتضع أسماء المتهمين فيه على قوائم "الوصول" في المطارات الأوروبية والعالمية والانتربول الدولي لتقديمهم لمحاكمات عادلة جراء ما يثبت عليهم من استخدام التعذيب ضد الناشطين.

و يتوقع مراقبون وناشطون في مجال حقوق الإنسان، أن وتيرة المساءلة الدولية لقضايا التعذيب في الخليج تسير على خطى "واثقة" حتى وإن كانت بطيئة، ويعتبرون أن القرار البريطاني إلى جانب التقارير الأممية المختلفة والدعاوى التي يعتزمون توسيعها والتركيز عليها في القريب العاجل في مختلف العواصم الأوروبية والعالمية من المؤكد أنها ستؤدي إلى رفع الظلم والتعذيب الذي يمارس في سجون خليجية ضد الناشطين ومعتقلي الرأي.

ويؤكد هؤلاء المراقبون، أن "أسئلة التعذيب في الخليج" قد تكون بداية لتحقيقات دولية منظمة لن يوقفها المال والنفوذ وصفقات التسليح الخليجية. هذه الأسئلة هي التي ستخلق "لوبيات"شعبية وبرلمانية ضاغطة في كل مكان، لتعميق الحرج السياسي والدبلوماسي، على من يمارس التعذيب بصورة تجبره على وقف التعذيب بصورة كاملة وشاملة، تمهيدا لإطلاق سراح كافة المعتقلين.


خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 09-10-2014

مواضيع ذات صلة