تحت هذا العنوان المثيرة للجدل، فتحت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية ملف الاستراتيجية الخارجية لدولة الإمارات، معتبرة أن أبوظبي تخوض اليوم واحدة من أكثر مغامراتها السياسية والعسكرية جرأة عبر محاولتها صياغة نفوذ مستقل تماماً عن الإجماع الخليجي التقليدي.
وترى المجلة، في تحليل مطول للباحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي "أندرو ليبر"، أن هذا المسار يمثل مسعى محفوفاً بالمخاطر قد ينتهي بالبلاد إلى عزلة إقليمية وتبعية أعمق لحلفاء خارجيين، بدلاً من تحقيق الاستقلال الاستراتيجي المنشود.
تنطلق القراءة التحليلية للمجلة من حدث ميداني غير مسبوق، تمثل في الغارات الجوية التي استهدفت مصافي النفط في جزيرة لافان الإيرانية، والتي نُفذت في توقيت حساس قبيل إعلان وقف إطلاق النار الذي كان يفترض أن يعلق الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران. وتزعم التقارير الاستخباراتية التي نقلتها صحيفة "وول ستريت جورنال" أن هذه الضربات لم تشهد مشاركة أي مقاتلات أمريكية أو إسرائيلية، بل كانت عملية إماراتية خالصة ونوعية، رغبت من خلالها أبوظبي في توجيه رسالة ردع حاسمة لإيران بعد أسابيع من تعرض البنية التحتية الإماراتية لهجمات بالمسيرات والصواريخ.
هذا السلوك العسكري المستقل، جاء متبوعاً بخطاب سياسي متشدد قاده المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة أنور قرقاش الذي وصف إيران بأنها التهديد الرئيسي للمنطقة، ثم تكلل بخطوة سياسية بالغة الدلالة تمثلت في إعلان أبوظبي انسحابها من منظمة "أوبك" بهدف فصل سياستها النفطية والسيادية عن حسابات وقرارات الكارتل الإقليمي والدولي، وتوجيه إهانة دبلوماسية مبطنة لجيرانها في نفس اليوم الذي كانت تستضيف فيه السعودية قمة للتكامل الإقليمي.
توضح "فورين أفيرز" أن هذا التوجه ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لعقيدة سياسية إماراتية تشكلت على مدى عقود، وتقوم على استخدام الموارد المالية الهائلة والصناديق السيادية والشركات الوطنية العملاقة، مثل "موانئ دبي العالمية" وعملاق الذكاء الاصطناعي "جي 42"، لجذب التكنولوجيا وتحقيق مكانة دولية تضع أبوظبي على قدم المساواة مع قوى كبرى مثل فرنسا أو اليابان.
وفي الجانب الأمني والدبلوماسي، تتبنى السياسة الإماراتية ما وصفته أستاذة العلوم السياسية ابتسام الكتبي بـ "إدارة التفكك لمنع الانهيار الكامل"، وهو ما يفسر تدخلاتها العسكرية والمالية المثيرة للجدل في ساحات عدة كاليمن لدعم فصائل جنوبية، والسودان عبر دعم قوات الدعم السريع لكبح الجماعات الإسلامية وتأمين المصالح الاقتصادية في القرن الأفريقي وأسواق الذهب في دبي.
غير أن هذه الرهانات أثارت ردود فعل عكسية عنيفة؛ فقد واجهت السياسة الإماراتية توبيخاً أمريكياً حاداً تجلى في وصف وزير الخارجية ماركو روبيو لها بأنها دعم لكيان يرتكب إبادة جماعية في السودان.
وعلى الصعيد الإقليمي، اصطدمت أبوظبي بـ "فيتو" سعودي مباشر تدخل عسكرياً لإعادة فرض سيطرة الحكومة اليمنية الشرعية في الجنوب، بالتوازي مع تصاعد مخاوف حكومات مصر وتنزانيا وجيبوتي والصومال من النفوذ الاستحواذي للشركات الإماراتية، وهو ما أدى سابقاً لطرد "موانئ دبي" من جيبوتي، وتكرر هذا العام في الصومال عقب قيام الإمارات بالتوسط لإقامة علاقات بين إسرائيل وإقليم "أرض الصومال" الانفصالي.