تشير تحركات سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، خلال الأشهر الأخيرة إلى تزايد دوره السياسي والاقتصادي داخل الإمارات، في إطار ما وصفته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، بعملية إعداد متدرجة لخلافة والده الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة.

وقالت الصحيفة إن الشيخ خالد، البالغ من العمر 44 عاماً، بات يتولى ملفات متنوعة تشمل السياسة الخارجية والاستثمار والاقتصاد والأمن، في مؤشر على اتساع نطاق مسؤولياته منذ تعيينه ولياً للعهد في عام 2023.

وخلال الأسابيع الماضية، أجرى الشيخ خالد زيارة رسمية إلى الصين التقى خلالها الرئيس شي جين بينغ، كما شارك في استضافة مسؤولين ورؤساء مؤسسات مالية دولية، وأشرف على صفقات واستثمارات بمليارات الدولارات. وفي الوقت ذاته تابع ملفات داخلية تتعلق بالجاهزية الطبية وخطط الطوارئ الخاصة بشركة النفط الوطنية "أدنوك".

وقال الأكاديمي والسياسي عبدالخالق عبدالله إن ولي عهد أبوظبي "يتولى العديد من المهام والمسؤوليات الثقيلة هذه الأيام"، مضيفاً أن الشيخ محمد بن زايد أصبح يعتمد عليه بصورة متزايدة بعد أن أثبت قدراته في إدارة الملفات المختلفة.

نفوذ اقتصادي متصاعد

وترى الصحيفة أن أحد أبرز مظاهر صعود الشيخ خالد يتمثل في دوره المتنامي في إدارة الثروة السيادية الضخمة لأبوظبي، التي تتجاوز أصولها 1.8 تريليون دولار.

وأشارت إلى أنه يرأس صندوق "العماد"، الذي تقدر قيمته بنحو 300 مليار دولار، وأصبح خلال الفترة الأخيرة لاعباً مؤثراً في صفقات الاستثمار العالمية. كما أعلن الصندوق شراكة مع شركة "بلاك روك" وصندوق "تيماسيك" السنغافوري و"أدنوك" لاستثمار نحو 30 مليار دولار في مشاريع تمتد عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط.

وقال أحد التنفيذيين في القطاع المالي للصحيفة إن أهمية الشيخ خالد بالنسبة للأسواق والاستثمارات العالمية "نمت بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية"، بينما توقع مصرفيون الإعلان عن صفقات جديدة بارزة خلال الفترة المقبلة.

وأضاف مصرفي دولي التقى ولي العهد أن الصندوق الذي يديره يمثل أداة لاستخدام القوة الاستثمارية الخليجية في جذب الأعمال والفرص الاقتصادية إلى المنطقة، مشيراً إلى أن توسع صلاحياته المالية يمنحه مساحة أكبر للتأثير في المشهد الاقتصادي العالمي.

لكن الصحيفة لفتت إلى أن من بين التحديات التي يواجهها طمأنة المستثمرين العالميين في ظل تداعيات التوترات الإقليمية والحرب التي شهدتها المنطقة خلال العام الماضي، وما رافقها من مخاوف بشأن الاستقرار الاقتصادي وحركة التجارة والطاقة.

انتقال الجيل الجديد

وبحسب التقرير، فإن صعود الشيخ خالد يعكس استراتيجية يتبعها والده الشيخ محمد بن زايد لضمان انتقال منظم للسلطة إلى الجيل التالي، مع تجنب التنافسات الداخلية التي رافقت بعض عمليات الخلافة في المنطقة.

وفي هذا السياق، أعاد الشيخ محمد بن زايد خلال السنوات الأخيرة توزيع المسؤوليات داخل الأسرة الحاكمة، فعُيّن الشيخ طحنون بن زايد نائباً لحاكم أبوظبي ورئيساً لهيئة أبوظبي للاستثمار، فيما تولى الشيخ منصور بن زايد منصب نائب رئيس الدولة ورئاسة شركة مبادلة.

ويرى بعض المحللين أن هذه الترتيبات تهدف إلى تعزيز موقع ولي العهد الجديد وتجنب ظهور مراكز نفوذ متنافسة داخل هرم السلطة، بينما اعتبرها آخرون جزءاً من نهج أوسع لتوزيع المسؤوليات الإدارية والاقتصادية.

وقال الباحث كريستيان كوتس أولريكسن إن منح الشيخ خالد ملفات اقتصادية ومالية واسعة يشير إلى استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تمكينه داخلياً وتوسيع خبرته في إدارة الدولة قبل انتقال السلطة مستقبلاً.

وتؤكد الصحيفة أن إعداد الشيخ خالد لهذا الدور لم يبدأ حديثاً، إذ أُسندت إليه منذ سنوات ملفات ذات أبعاد دولية، من بينها إدارة الخلاف الذي نشب عام 2010 بين الإمارات وشركة "بلاك بيري" الكندية بشأن قضايا تتعلق بالبيانات والأمن الرقمي، قبل التوصل إلى تسوية أنهت الأزمة.

كما عزز ولي عهد أبوظبي علاقاته مع شخصيات اقتصادية نافذة في الإمارة، من بينها خلدون المبارك الرئيس التنفيذي لشركة مبادلة، وسلطان الجابر الرئيس التنفيذي لـ"أدنوك"، إلى جانب اعتماده على فريق من المسؤولين الشباب الذين باتوا يشغلون مواقع مؤثرة في المؤسسات الاقتصادية.

ونقلت الصحيفة عن الإعلامي اللبناني الإماراتي نديم قطيش قوله إن الشيخ خالد يتولى جانباً كبيراً من الإدارة اليومية لأبوظبي، مضيفاً أنه يعمل في الوقت نفسه على بناء فريقه وتحالفاته وإعداد جيل جديد من الكوادر الإماراتية، في خطوة تعكس طبيعة تطور النظام السياسي في الدولة واستعداده للمرحلة المقبلة.