قالت وكالة بلومبيرغ إن دول الخليج العربي تتحمل العبء الأكبر من تداعيات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أنها لم تكن طرفاً في إشعال هذا الصراع، وذلك في ظل تعرض مدن ومنشآت حيوية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال الأيام الماضية.

وأوضحت الوكالة أنه مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، سقطت صواريخ ومسيّرات على مدن مثل دبي والرياض والدوحة، وهي مدن عملت حكوماتها لسنوات على تحويلها إلى مراكز مالية ووجهات آمنة للاستثمار والسياحة، ما أثار تساؤلات في المنطقة بشأن أهداف واستراتيجية الولايات المتحدة في الصراع.

ونقلت الوكالة عن مدير مركز دبي للسياسات العامة، محمد باهرون، قوله إن "أحداً في المنطقة لم يختر الذهاب إلى حرب مع إيران"، مشيراً إلى أن التجارب السابقة في غزة واليمن والعراق أظهرت محدودية الحلول العسكرية.

وأضاف أن دول المنطقة "مرتبطة جغرافياً بإيران، ومع انتهاء الحرب وعودة القوات الأمريكية إلى بلادها، ستظل دول الخليج مضطرة للتعامل مع طهران".

وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها بلومبيرغ، فإن الإمارات وقطر وعُمان والكويت واصلت منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الدفع باتجاه المسار الدبلوماسي ومحاولة إيجاد مخرج سياسي للأزمة بين الولايات المتحدة وإيران. غير أن أحد هذه المصادر أشار إلى أن إيران قد لا تتوقف عن استهداف المنطقة ما لم تُسحب القوات الأمريكية من أراضيها أو تُغلق القواعد العسكرية في الشرق الأوسط.

استهداف الاقتصاد والبنية التحتية

وأشارت بلومبيرغ إلى أن الهجمات الإيرانية استهدفت في الأساس قواعد وسفارات أمريكية، إلا أن بعض القذائف أصابت أيضاً مواقع مدنية واقتصادية، من بينها فنادق في دبي، إضافة إلى منشآت نفطية، حيث أوقفت مصفاة رأس تنورة في السعودية عملياتها، بينما أعلنت شركة "قطر للطاقة" حالة القوة القاهرة بعد تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال.

وأضافت أن موجات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية وضعت منظومات الدفاع الجوي في دول الخليج تحت ضغط كبير، بعدما استهلكت عدداً كبيراً من الصواريخ الاعتراضية باهظة الكلفة.

كما نقلت الوكالة عن مسؤولين أوروبيين وأوكرانيين إشارات إلى طلب دول في الشرق الأوسط دعماً لتعزيز دفاعاتها الجوية في ظل استمرار التصعيد.

وفي السياق نفسه، نقلت بلومبيرغ عن رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني قوله لنظيره الإيراني عباس عراقجي إن الهجمات الإيرانية تضر بدول الجوار وتجرها إلى حرب "ليست حربها"، معتبراً أن تلك التصرفات تعكس نهجاً تصعيدياً.

من جهتها، أكدت وزيرة الدولة للتعاون الدولي ريم الهاشمي خلال إيجاز صحفي أن الإمارات تحتفظ بحقها الكامل والمشروع في الدفاع عن نفسها، مع استمرار الدعوة إلى حل دبلوماسي للأزمة.

تشكيك في المظلة الأمنية الأمريكية

وذكرت بلومبيرغ أن بعض القادة والخبراء في المنطقة بدأوا يشككون في مدى فاعلية الضمانات الأمنية الأمريكية، خاصة بعد أحداث سابقة اعتُبرت مؤشراً على تراجع الالتزام الأمريكي بأمن حلفائها في الخليج.

وقالت الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا كارين يونغ إن المظلة الأمنية الأمريكية "لم تضع مصالح دول الخليج في المقدمة"، معتبرة أن هذا الأمر أصبح واقعاً أكثر وضوحاً في الفترة الأخيرة.

كما نقلت الوكالة عن أستاذ العلاقات الدولية في كينغز كوليدج لندن ديفيد روبرتس قوله إن شعور دول الخليج بأنها تأتي في المرتبة الثانية بعد "إسرائيل" في أولويات السياسة الأمريكية "ليس أمراً جديداً".

مخاوف من تصعيد أوسع

وبحسب بلومبيرغ، فإن إيران تسعى من خلال استراتيجيتها الحالية إلى إطالة أمد الصراع وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضغط بالولايات المتحدة، بما في ذلك عبر استهداف ما وصفته بـ"نقاط الضعف" في دول الخليج، مثل البنية التحتية للطاقة وسمعة المنطقة كمركز للاستقرار الاقتصادي.

وأشارت الوكالة إلى أن استمرار الهجمات أدى بالفعل إلى اضطراب حركة الطيران وتعطل بعض الرحلات وإثارة مخاوف في أسواق الطاقة، خصوصاً مع التوترات في مضيق هرمز.

وختمت بلومبيرغ بأن دول الخليج تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة، إذ استثمرت لسنوات طويلة في علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة على أمل ضمان الاستقرار الإقليمي، لكن الحرب الحالية أظهرت حدود تلك الاستراتيجية.