لم يكن انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك" مجرد قرار تقني أو اقتصادي في أعين الصحافة الغربية، بل تحول إلى حدث جيوسياسي بامتياز. رصدت كبريات الصحف والوكالات العالمية، وعلى رأسها "الغارديان" و"نيويورك تايمز" و"رويترز" و"بلومبرغ" "فايننشال تايمز"، الحدث من زوايا متقاربة ومتعارضة، مجمعة على أن القرار يمثل نقطة تحول في موازين القوى داخل الخليج، وكشفاً لخلافات مع السعودية، وإعادة تعريف للتحالفات في الشرق الأوسط على وقع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
وأفادت هذه الصحف، أن القرار الإماراتي يحمل رسائل سياسية كبرى، أبرزها "إعلان استقلال عن الهيمنة السعودية، ورهان على التحالف مع واشنطن والاحتلال الإسرائيلي، وكشف لخلل وظيفي يضرب مجلس التعاون الخليجي".
ففي صحيفة "الغارديان" البريطانية، ذهب المحرر الدبلوماسي باتريك وينتور إلى اعتبار القرار سياسياً في المقام الأول، مشيراً إلى أنه "ربما يقوي يد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط" ويعيد إشعال الخلافات المغطاة مع السعودية.
ولفت وينتور إلى أن توقيت الإعلان، الذي تزامن مع قمة خليجية طارئة في جدة، وطبيعته الأحادية، يعكسان عجز أبوظبي عن بناء إجماع خليجي، فاتجهت إلى التخلي عن "التضامن الاقتصادي" الذي يمثله "أوبك".
ونقلت الصحيفة عن الدكتورة ابتسام الكتبي أن الإمارات "تعيد تعريف دورها من منتج ضمن تكتل إلى منتج موازن"، وعن أنور قرقاش وصفه موقف مجلس التعاون الخليجي إزاء الهجمات الإيرانية بأنه "الأضعف في التاريخ".
وخلصت "الغارديان" إلى أن القرار يرسخ مكانة الإمارات كـ"الدولة المفضلة لدى ترامب" دبلوماسياً، ويضعف قدرة السعودية على إدارة أسعار النفط.
أما صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فكانت أكثر حدة في توصيفها، حيث وصفت الخطوة بأنها "إعلان استقلال إماراتي" بامتياز، على لسان الباحثة كريستين ديوان من معهد دول الخليج العربية في واشنطن.
ورأت الصحيفة أن الانسحاب من "أوبك" لا يمكن فصله عن التدهور المتسارع في علاقات أبوظبي مع الرياض، واصفة الشرخ بأنه "يصل إلى أعلى مستويات الحكومتين".
ونقلت عن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله أن ما يجري هو "ولادة دولة جديدة" في سلوكها السياسي، لم تعد تلتزم بالإيقاع الجماعي العربي أو الخليجي.
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن الخلافات امتدت من اليمن والسودان إلى العلاقة مع إسرائيل والتعامل مع إيران، مؤكدة أن القرار قد يكون مجرد مقدمة لخطوات أكبر، مثل تجميد العضوية أو الانسحاب من جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي أو منظمة التعاون الإسلامي.
من جانبها، لم تذهب وكالة "رويترز" بعيداً عن هذا التوصيف، بل عززته عندما أكدت أن القرار يكشف "انفصالاً استراتيجياً" بين السعودية والإمارات، ونقلت عن فواز جرجس من كلية لندن للاقتصاد قوله: "هناك أمر خطير يحدث في العلاقة بين السعودية والإمارات... انقسام أكثر خطورة بكثير مما نعتقد"، واصفاً إياه بأنه "انفصال بين أقوى زعيمين في الخليج".
ورأت وكالة "رويترز" أن الخطوة تتجاوز حدود الخلاف حول حصص الإنتاج، لتصبح "قطيعة مع نظام إدارة النفط الذي تقوده الرياض"، مع استخدام النفط كأداة للتعبير عن الاستقلالية.
ونقلت الوكالة عن عبد الخالق عبد الله أن "أوبك تدار حالياً من قبل السعودية وروسيا لتعزيز مصالحهما الخاصة على حساب الآخرين"، وعن ابتسام الكتبي قولها: "الإمارات لن ترتهن للسعودية... هي لا تنسحب من النفط العالمي بل تعيد تموضعها".
كما أشارت "رويترز" إلى أن المسؤولين الإماراتيين يدرسون "أهمية وجدوى" دورهم في المنظمات متعددة الأطراف.
أما وكالة "بلومبرغ" فنقلت عن مصادر مطلعة أن الإمارات، بعد انسحابها من "أوبك"، تتجه إلى مراجعة جذرية للتحالفات الإقليمية، حيث تدرس تجميد مقعدها في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ومراجعة مشاركتها في مجلس التعاون الخليجي.
وأشارت الوكالة إلى أن الشيخ محمد بن زايد وصف خلال نقاش مع مسؤولين أوروبيين مجلس التعاون الخليجي بأنه يعاني من "خلل وظيفي"، مؤكداً أن الإمارات ستعزز تعاونها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل".
ومن زاوية اقتصادية، أوضحت "بلومبرغ" أن الإماراتيين يعتقدون أن الطلب على النفط سيبدأ في الانخفاض وسط التحول العالمي للطاقة في وقت أقرب مما يعتقده السعوديون، ويريدون تسييل احتياطياتهم بسرعة.
كما تناولت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية القرار من زاوية الاقتصاد السياسي للطاقة، حيث رأت أن توقيت الانسحاب، الذي جاء في خضم حرب مستعرة وأسوأ اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية منذ عقود، يعكس "جفاءً أوسع نطاقاً بين الإمارات والسعودية".
وأشار محلل أسواق النفط جون كيمب، في مقاله بالصحيفة، إلى أن قرار مغادرة "أوبك" ومجموعة "أوبك+" يمثل أكبر تحدٍ يواجه "الكارتل" منذ عقود، معتبراً أن كل كارتل ينتهي به المطاف إلى الفشل حين يكافح الأعضاء للاستجابة لظروف فردية متغيرة، وهو ما تجسد في الحالة الإماراتية التي قررت التحرر من قيود المنظمة سعياً وراء مصالحها الخاصة.
ولفتت "فايننشال تايمز" إلى أن الإمارات، رابع أكبر منتج في المجموعة، تمتلك طاقة فائضة حقيقية وقدرة تقنية على زيادة الإنتاج، عكس معظم أعضاء "أوبك+" الذين ينتجون أقصى طاقتهم المتاحة.
وخلصت الصحيفة إلى أن كبار صناع السياسات في أبوظبي لم يعودوا مستعدين للقيام بدور "الأخ الأصغر" أمام "الأخ الأكبر" السعودي، خاصة مع تصاعد التنافس الاقتصادي المباشر بين المراكز المالية في الرياض من جهة ودبي وأبوظبي من جهة أخرى، وهو ما سيؤدي على الأرجح إلى زيادة الإنتاج الإماراتي بوتيرة أسرع، مما يكثف الضغط النزولي على أسعار النفط العالمية في المدى المتوسط.
تجمع وسائل الإعلام الغربية على أن خروج الإمارات من "أوبك" ليس حدثاً نفطياً عابراً، بل هو بمثابة إعلان عن سياسة إماراتية جديدة تقوم على الاستقلال عن القيادة السعودية، والرهان على تحالف أمني مع واشنطن والاحتلال الإسرائيلي، وإعادة تعريف المصالح خارج الأطر الجماعية التقليدية التي تعتبرُها أبوظبي غير فاعلة أو خاضعة للهيمنة.
كما تتفق هذه المصادر على أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران كانت الكاشف الحقيقي لهذه التحولات، والمحفز الذي أتاح الفرصة للإمارات للإعلان عن قرارها بشكل مفاجئ وأحادي، مع توقعات بأن تكون الأيام المقبلة حبلى بمزيد من الخطوات التصعيدية على صعيد الانتماءات الإقليمية متعددة الأطراف.
كما أجمعت التحليلات على أن النفط لم يعد مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح أداة مركزية في صراع النفوذ، ووسيلة لإعادة تشكيل التحالفات، خاصة في ظل تراجع اليقين بشأن الدور الأمريكي في المنطقة، وتصاعد التحديات الأمنية.