زعمت صحيفة الغارديان البريطانية، يوم الأربعاء، أن إمارة دبي "تلاشى بريقها" مع فرار عشرات الآلاف من السكان والسياح الذين غادروا الإمارات منذ بدء القصف الأمريكي والإسرائيلي لإيران قبل أسبوعين، "ما ترك الحانات الشاطئية والمراكز التجارية والفنادق خالية بشكل مخيف".
وقالت الصحيفة البريطانية إنه "على مدى عقود، بنت دبي نفسها كملاذ للاستهلاك الخالص يقصده السياح من جميع أنحاء العالم. ولكن الآن، تواجهط تهديداً وجودياً، حيث هزت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أسس "حلم دبي" الذي آمن به الكثير من الأجانب".
لقد تحملت الإمارات العبء الأكبر من أكثر من ثلثي الضربات الإيرانية؛ ويقول محللون إن الدولة استُهدفت جزئياً بسبب شراكاتها العسكرية والاستخباراتية العميقة مع القوى الغربية، وسمعة دبي كمركز مفضل للتمويل العالمي والعطلات الغربية.
ونقلت الصحيفة عن جون ترودينجر، وهو مقيم بريطاني في دبي منذ 16 عاماً ويعمل مديراً لمدرسة إماراتية: "لقد تلاشى البريق بالتأكيد". وظف ترودينجر أكثر من 100 معلم من المملكة المتحدة، وقال إن معظمهم تعرضوا لـ "صدمة عميقة ويكافحون حقاً للتكيف" مع وصول الحرب المفاجئ إلى دبي، لدرجة أنهم غادروا ولن يعودوا.
وقالت الصحيفة إن هؤلاء البريطانيين "هم من بين عشرات الآلاف من السكان والسياح الذين فروا من دبي منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة على إيران قبل نحو أسبوعين. أما الأغلبية العظمى من العمال المهاجرين في المدينة، فلا يملكون هذا الامتياز".
وقالت إن التهديدات صاروخية وتعطيل للخدمات يستمر بشكل يومي، حيث "تظهر تنبيهات على هواتف الجميع تحذر من "تهديدات صاروخية محتملة" وتطلب منهم البحث عن الأمان والابتعاد عن النوافذ".
وأشارت الغارديان إلى أنه "ورغم اعتراض أنظمة الدفاع الإماراتية لأكثر من 90% من المقذوفات الإيرانية البالغة 1700 مقذوف، إلا أن بعضها أصاب أهدافاً هامة، بما في ذلك قواعد عسكرية ومجمعات صناعية ومطار دبي، مما أدى لإغلاق أحد أكثر محاور الطيران ازدحاماً في العالم. كما تسببت الهجمات على مركزي بيانات في حرمان سكان دبي لفترة وجيزة من استخدام هواتفهم للمدفوعات الرقمية".
كما تعرض فندق "فيرمونت"، الواقع في جزيرة "نخلة جميرا" الاصطناعية الشهيرة، والتي تضم قصوراً وفنادق فاخرة ونوادٍ شاطئية راقية، لضربة دراماتيكية. زين أنور، سائق تاكسي من باكستان، رأى سيارته تُدمر في الضربة التي استهدفت الفندق بعد أن ركنها ليذهب للصلاة.
قال أنور: "أنا أوفر الناس حظاً في العالم لبقائي على قيد الحياة، لكن عائلتي الآن تطلب مني العودة. لا أريد البقاء في دبي أكثر من ذلك، لا يوجد عمل، نحن لا نكسب شيئاً منذ بدء هذه الحرب، ولا أرى السياحة تعود. الكثير من سائقي التاكسي مثلي يفكرون في الذهاب إلى بلد آخر الآن. الجميع يعرف أن دبي انتهت".
تداعيات اقتصادية قاسية
أكدت الصحيفة البريطانية أن من المرجح أن تكون العواقب الاقتصادية للنزاع على الإمارات كبيرة، ولكن ليس أكثر من دبي، حيث تدر السياحة حوالي 30 مليار دولار سنوياً. وأكثر من 90% من سكانها أجانب، من بينهم واحد من أعلى تجمعات المليارديرات في العالم، الذين يستمتعون بغياب الضرائب على الدخل والأرباح الرأسمالية والميراث.
وعلى عكس الإمارات الأخرى، لا تملك دبي موارد نفطية هائلة تعتمد عليها. ويقول المحللون إن الخسائر المالية ستكون قاسية إذا طال أمد الحرب واستمر تآكل سمعة المدينة كملاذ للسياحة وثقة الغرب في الاستثمارات التجارية والمصرفية والعقارية. ويوم الأربعاء، قام بنكا "سيتي بنك" و"ستاندرد تشارترد" بإجلاء موظفيهم من دبي "بسبب مخاوف أمنية متزايدة".
وقال خالد المزيني، الأستاذ في جامعة زايد الإماراتية: "بالفعل تخسر دبي بشكل كبير. حتى الآن الأمر محتمل للاقتصاد الإماراتي، ولكن إذا استمر هذا لعشرة أو عشرين يوماً أخرى، فإن التأثير على السياحة والطيران والشركات الوافدة والنفط سيكون صعباً للغاية".
محاولات السيطرة على السردية
بذل حكام دبي جهوداً ملحوظة للسيطرة على السردية والحفاظ على صورة الهدوء والأمان؛ فبعد سلسلة من المنشورات المذعورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هددت شرطة دبي باعتقال وسجن "المؤثرين" الذين يشاركون محتوى "يتعارض مع الإعلانات الرسمية أو قد يسبب ذعراً اجتماعياً". وتؤكد الرسائل الرسمية المتفائلة للناس أن "الانفجارات الكبيرة" في السماء هي "صوت الأمان".
ورغم خلو الحانات الشاطئية والمراكز التجارية والفنادق ذات النجوم الخمس، يصر بعض السكان والسياح الباقين في المدينة على أنه من السهل الاستمرار في الحياة كالمعتاد. وعلى طول شاطئ جميرا، يمكن رؤية المؤثرات بملابس السباحة أمام كاميراتهن، بينما يلعب الأطفال على الألعاب المائية الضخمة.
والمفارقة أن العديد من السياح قالوا إنهم جاءوا إلى هنا للهروب من الحرب. وقالت كريستينا هاليس (26 عاماً): "نحن من أوكرانيا، وللأسف جئنا من منطقة حرب إلى أخرى، ولكن هذه هي الحياة. لا أزال أشعر بالأمان هنا، وأنا سعيدة بالذهاب إلى الشاطئ والاستمتاع بالحياة. لن تعرف أن هناك حرباً".
الضحايا المنسيون
شملت الأضرار الجانبية لنزوح السياح والمؤثرين مئات القطط والكلاب، التي تم التخلي عنها في الملاجئ أو ربطها بأعمدة الإنارة أو تركها في صناديق في الشوارع مع مغادرة أصحابها البلاد على عجل. ووصف ملجأ "K9" للحيوانات في دبي الوضع بأنه "مقزز".
ومع ذلك، بالنسبة للملايين من المهاجرين الاقتصاديين الذين جاءوا إلى دبي للعمل في البناء والتوصيل والقيادة، فإن خيار استقلال طائرة للعودة إلى الوطن ببساطة غير موجود. يعيش في دبي مليونا هندي، وما يصل إلى 700 ألف نيبالي، و400 ألف باكستاني، وكثير منهم عمال مهاجرون مستغلون لا يملكون حرية العودة كما يشاؤون.
ومن بين الأشخاص الأربعة الذين لقوا حتفهم في الإمارات منذ بدء النزاع، كان ثلاثة منهم عمالاً من جنوب آسيا، بمن فيهم سائق تاكسي باكستاني، وحارس أمن نيبالي، وسائق صهاريج مياه بنغلاديشي. كما أدت ضربات بطائرات مسيرة قرب مطار دبي في وقت مبكر من صباح الأربعاء إلى إصابة غانيين وهندي وبنغلاديشي.
وفي منطقة "محيسنة 2"، حيث تقع معظم مساكن العمال، كان إبينيزر إبراهيم (29 عاماً)، وهو عامل من نيجيريا، واحداً من القلائل الذين تم إبلاغهم بالنزاع. قال إبراهيم: "نحن جميعاً بشر وننزف، لذا بالطبع أقلق من هذه الصواريخ. لكن الحكومة تقوم بعمل جيد في اعتراضها حالياً. وبما أنني قادم من أفريقيا، فهناك العديد من المشاكل في موطني أيضاً. لدي أهدافي وسأبقى هنا للعمل من أجلها".
بينما تجاهل معظم العمال في محيسنة المخاوف، قالت عائلة صالح أحمد (55 عاماً)، وهو سائق بنغلاديشي قُتل بسبب حطام صاروخ في موقع عمله في دبي، إن نقص المعلومات والتحذيرات الواضحة له وللعمال الآخرين حول النزاع كان مميتاً. وقال شقيقه الأصغر ذاكر حسين (35 عاماً): "لم أفهم حجم ما كان يحدث إلا عندما عدت إلى بنغلاديش وشاهدت الأخبار هنا. بصراحة، العمال في دبي يخشون التحدث؛ كنا نشعر دائماً أنه لا يمكننا قول أي شيء سيئ عن البلد لأن ذلك سيوقعنا في المشاكل. لو عرفنا ما كان يحدث حقاً، لربما حاول أخي الوصول إلى مكان أكثر أماناً، أو العودة إلى الوطن". وأضاف حسين أن العودة إلى دبي بعد فقدان شقيقه تبدو "غير محتملة"، لكنه استدرك: "دبي هي المكان الوحيد الذي نعرف كيف نكسب فيه المال، وعائلاتنا تعتمد علينا".