تداولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية خبرًا واسع الانتشار يشير إلى إنشاء الإمارات صندوقًا استثماريًا بقيمة 10 مليارات دولار لدعم قطاعات استراتيجية في الكيان الصهيوني.

وانتشرت الأخبار تحت عناوين عدة، منها: "الإمارات تضخ 10 مليارات دولار في الاقتصاد الإسرائيلي"، و"مليارات الدولارات الإماراتية تتدفق على الاحتلال الإسرائيلي".

ورغم أن الخبر لم يُنشر مؤخرًا، إلا أنه صحيح ويعود أصله إلى مارس 2021، حين أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية في 14 من ذلك الشهر أن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، (ولي عهد أبوظبي في حينه)، تلقى اتصالًا هاتفياً من بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، تم خلاله استعراض مسار العلاقات الثنائية بين البلدين في ضوء اتفاقية السلام التي وقعها الطرفان في أغسطس 2020.

وأشارت الخارجية ألى أنه جرى عقب الاتصال، إنشاء صندوق بقيمة 10 مليارات دولار، يركز على الاستثمار في قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة والتصنيع والمياه والفضاء والرعاية الصحية والتكنولوجيا الزراعية، وغيرها، مع التركيز على مبادرات التنمية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.

وبيّنت أن تمويل الصندوق سيتم من مخصصات حكومية ومن مؤسسات القطاع الخاص، في خطوة وصفتها بأنها "لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين دولتين من أسرع اقتصادات المنطقة نموًا وفتح المجال لشراكات واستثمارات تهدف إلى دفع النمو الاجتماعي والاقتصادي.

وقالت وسائل الإعلام العبرية في حينها، إن أبوظبي تنوي البدء هذا العام باستثمار مبلغ 200 مليون دولار في الشركات الخاصة الإسرائيلية، وخاصة شركات التكنولوجيا الفائقة.

في حين نقلت وكالة بلومبرغ أن قائمة المستثمرين السياديين الإماراتية تضم "شركة مبادلة للاستثمار"، التي تبلغ قيمة أصولها نحو 243 مليار دولار وشركة "أبوظبي التنموية القابضة".

وقالت الوكالة، إن شركة أبوظبي القابضة تتطلع إلى استثمارات تبلغ قيمتها الإجمالية ملياري دولار، من خلال "صندوق أبوظبي للنمو"، الذي يقع مقره الرئيسي في أبوظبي وذلك، للاستثمار في شركات رأس المال المُخاطر المحلية، إضافة إلى الشركات والمشروعات العامة في "إسرائيل".

بالمقابل، افتتحت شركات عديدة وصناديق استثمارية تتخذ من الإمارات مقراً لها، مكاتب بـ"إسرائيل"، ومن أبرزها شركة G42 العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ومكتب أبوظبي للاستثمار الذي تديره الدولة.

 كما افتتحت شركة Rapyd، إحدى شركات التكنولوجيا الأسرع نمواً في "إسرائيل"، مكتباً لها في دبي؛ لجذب المواهب الدولية من أجل التغلب على النقص المزمن في العمالة الذي تُعانيه بالداخل.

وخلال السنوات الأخيرة، تصدّرت الإمارات موقع الشريك التجاري العربي الأول لـ"إسرائيل". فلا تضاهيها أيّ دولة أخرى في العالم العربي من حيث حجم التبادل التجاري مع "إسرائيل"، وهو تميّز حافظت عليه حتى في خلال الإبادة الجماعية في غزة.

فعلى الرغم من الضغوط السياسية والشعبية، ظلّت التجارة الثنائية بمعظمها بمنأى عن الاحداث وحرب غزة، ما يعكس استعداد الطرفين لتجاهل الرأي العام لصالح المصالح الاقتصادية.

ففي العام 2024، بلغ حجم التجارة الثنائية بين الإمارات و"إسرائيل" نحو 3.2 مليار دولار، مسجّلاً ارتفاعاً بنسبة 11 في المئة بالمقارنة مع العام السابق، في حين جاءت في مقدمة الدول العربية من حيث حجم وقيمة التبادل التجاري مع "إسرائيل" خلال فترة الحرب في غزة الممتدة من أكتوبر 2023 حتى فبراير 2025، حيث بلغ حجم الاستيراد من أبوظبي إلى "إسرائيل" ما يقارب 2 مليار دولار.

وتُعدّ "إسرائيل" ثاني دولة من أصل 27 دولة وقّعت معها الإمارات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، وهي اتفاقية تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية غير النفطية إلى 10 مليارات دولار بحلول العام 2030.

وطبّعت أبوظبي علاقاتها رسميًا مع الكيان الإسرائيلي في 13 أغسطس 2020، وألغت مرسومًا كان يجرّم أي تعامل مع "تل أبيب"، قبل وصول أول طائرة رسمية من مطار بن غوريون إلى العاصمة الإماراتية، لتصبح الإمارات ثالث دولة عربية توقع معاهدة سلام مع الكيان، بعد مصر في 1979 والأردن عام 1994.

وتوسّعت مجالات التجارة والتعاون الثنائي منذ توقيع الاتفاقية لتشمل قطاعات متعدّدة أخرى، منها الزراعة والدفاع والتعليم والطاقة والصحة وأمن المياه.

على الصعيد الداخلي، قوبل اتفاق التطبيع برفض شعبي واسع، فيما لم تجنبت أي من حكومات الشارقة وعجمان ورأس الخيمة وأم القيوين والفجيرة، الخروج بأي تصريحات تأييد رسمية، كما لم يعلق معظم أبناء العائلات الحاكمة على الاتفاق.

أما عربياً، فقد أثار التطبيع موجة من التنديد الواسع، واعتبرته الفصائل والقيادة الفلسطينية "خيانة للقدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية".

ومع تصاعد الحرب في غزة، عادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة باعتبارها قضية أخلاقية وسياسية مركزية، وخلالها واجهت أبوظبي انتقادات متزايدة بسبب تمسكها بالتزاماتها في اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

ولا تزال أبوظبي تعتبر أن علاقاتها المطبّعة مع "إسرائيل" تتماشى مع مصالحها الوطنية والاستراتيجية، ما يجعل احتمالات انسحابها من اتفاقيات "أبراهام" ضعيفة في المرحلة الراهنة. غير أن هذا الموقف يثير تساؤلًا متجددًا في الأوساط السياسية والشعبية: هل ثمة سقف للسلوك الإسرائيلي الوحشي والمتطرف قد يدفع القيادة الإماراتية إلى مراجعة علاقاتها الرسمية، في ظل الاتهامات المتصاعدة لهذا الكيان المتطرف بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة؟