كشف تحقيق استقصائي موسّع عن تدهور خطير في مخزون أسماك السردين الصغيرة على السواحل اليمنية، بعدما تحوّلت هذه الثروة البحرية الحيوية من مصدر رزق أساسي لمئات الآلاف من الصيادين إلى مادة خام تُستنزف بشكل مكثف لصالح مصانع طحن وشركات ذات نفوذ عابر للحدود، في ظل غياب شبه كامل للرقابة الحكومية وتخبّط القرارات الرسمية.
وأعدّ التحقيق الصحفي محمد حفيظ بدعم من مركز بوليتزر الأمريكي، مستندًا إلى عمل ميداني استمر ثمانية أشهر على امتداد السواحل الشرقية لليمن، من حضرموت إلى المهرة.
كما اعتمد التحقيق على مراجعة وثائق رسمية وتقارير صادرة عن لجان حكومية، إلى جانب شهادات صيادين ومسؤولين وخبراء في البيئة البحرية، فضلًا عن تتبّع دقيق لمسارات تجارة وتصدير دقيق وزيت السمك إلى الأسواق الخارجية.
وأظهرت نتائج التحقيق أن مصانع طحن الأسماك، التي أُنشئت في الأصل لمعالجة مخلفات الصيد، تحوّلت فعليًا إلى مستهلك رئيسي للأسماك الطازجة، وفي مقدمتها أسماك السردين.
وبيّن التحقيق أن معدلات الاستهلاك اليومية لكل مصنع تتراوح بين 50 و300 طن، فيما يصل إجمالي الطلب اليومي لهذه المصانع إلى نحو 1600 طن، وهو رقم يفوق بكثير قدرة المخزون البحري على التعويض، وأدى إلى تراجع حاد ومقلق في أعداد الأسماك الصغيرة.
كما وثّق التحقيق سلسلة من التجاوزات الخطيرة في عمل هذه المصانع، حيث تبيّن أن معظم المنشآت العاملة في حضرموت والمهرة تخالف تراخيصها الاستثمارية، سواء من خلال استخدام الأسماك الطازجة بدل المخلفات، أو تشغيل طاقات إنتاجية تتجاوز السقوف المسموح بها رسميًا. وأشار التحقيق إلى أن الطاقة التشغيلية السنوية لهذه المصانع بلغت ضعف إجمالي الإنتاج الوطني السنوي من الأسماك.
ولفت التحقيق إلى أن ملكية هذه المصانع تتركز بشكل لافت في يد شركة إماراتية تسيطر على أربعة من أصل عشرة مصانع قائمة على الساحل اليمني، ما عزّز من احتكار سلسلة التوريد، وزاد الضغوط على الصيادين المحليين وصغار مصنّعي الأسماك، في ظل غياب فعّال لدور الجهات الرقابية الحكومية.
وفي ما يتعلق بالتجارة الخارجية، كشفت الوثائق التي اطّلع عليها التحقيق أن صادرات دقيق السمك خلال الفترة بين عامي 2019 و2023 بلغت نحو 44.4 ألف طن، بقيمة تقدّر بـ66.6 مليون دولار، فيما بلغت صادرات زيت السمك نحو 12.2 ألف طن، بقيمة تقارب 36.6 مليون دولار.
وجرى تصدير هذه الكميات بتسهيلات رسمية، دون أن ينعكس ذلك بفوائد ملموسة على خزينة الدولة أو على أوضاع المجتمعات الساحلية.
وحذّر خبراء في البيئة البحرية من أن الصيد الجائر، إلى جانب استخدام وسائل مدمّرة للموائل البحرية، أسهما في تراجع خطير لأعداد الأسماك القابلة للتكاثر، ما يهدد بحدوث تصحّر بحري وفقدان دائم للتوازن البيئي، وينذر بأزمة بيئية واقتصادية واسعة النطاق.
كما رصد التحقيق حالة من التضارب الواضح في مواقف الجهات الحكومية، بين قرارات تعلن إيقاف نشاط المصانع، ومواقف أخرى تسمح باستمرار عملها تحت مبرر دعم الاستثمار، في ظل غياب المساءلة والمحاسبة، وهو ما ساهم في استمرار المخالفات رغم التحذيرات الرسمية المتكررة.
ويخلص التحقيق إلى أن ما يجري يعكس أزمة بنيوية عميقة في إدارة الثروة السمكية في اليمن، تستدعي تدخّلًا عاجلًا لإيقاف أو تنظيم نشاط مصانع الطحن، وفرض رقابة صارمة على عمليات الصيد والإنتاج والتصدير، بما يضمن حماية البيئة البحرية، وصون حقوق الصيادين، وتحقيق الاستدامة للموارد الطبيعية والمجتمعات الساحلية.