"المرجعية الدينية".. الصراع الخفي بين السعودية ونظام السيسي

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 18-09-2014

تشكل المرجعية الدينية أو الزعامة الدينية للمملكة العربية السعودية ومصر هدفا كبيرا،لأن من يمتلك ذلك، لا يحظى بشرعية دينية محلية فقط، بل يكون مؤهلا لتمثيل أهل السنة الذين يشكلون غالبية المسلمين أيضا. ففي حين سادت في السعودية "المؤسسةالسلفية" ساد في مصر مؤسسة الأزهر، وكل منهما يمثل اتجاها دينيا مختلفا عن الآخر بصورة كبيرة جدا، بما يقدمه من خطاب ديني وتصور لفهم الدين والحياة. فكيف هي العلاقة بين هاتين المؤسستين، وما هو مدى انعكاسه على العلاقات بينهما، وهل يشكلان عامل تقارب أم تنافر؟

السلفية والأزهر

تتمسك السعودية إلى جانب كونها تشرف على أكثر الأماكن قدسية عند المسلمين بالاتجاه السلفي القائم على تجديد محمد بن عبد الوهاب، وهو تجديد تتبناه المؤسسة السلفية في السعودية تماما. في حين، تتمسك مصر بمرجعية الأزهر الذي يغلب عليه الطابع الصوفي المناهض تماما للفكر السلفي أو يتنافر الاتجاهان من بعضهما البعض. وتحاول كل حكومة في البلدين الوصول لوضع تسود فيه مؤسسته واتجاهه الديني في المنطقة، كون ذيوع وانتشار هذا الاتجاه أو ذاك يسهل لكل منهما تسيده بغطاء الدين، الذي يشكل أعظم قيمة لدى المسلم.

لم يسبق أن شوهد عالم أزهري زار المؤسسة السعودية، أو أن عالما سلفيا سعوديا زارالأزهر أو بذلت جهود للتقارب، بل عندما كانت تجري أي محاولة للتقارب يفزع الطرف الآخر من محاولات "اختراق" الطرف الذي يسعى للتقارب.

هذا الصراع انتقل من المؤسسات الدينية إلى مؤسسات الحكم في كلا البلدين باعتباره صراعاعلى المكانة السياسية والتأثير والنفوذ. المنافسة الشديدة بين السعودية ومصر على التوازن والقوة الاستراتيجية في المنطقة ليست وليدة الأعوام القليلة الماضية أو بعد ثورة يناير 2011 وإنما من قبل حكم جمال عبد الناصر الذي كان على خلاف دائم مع الحكومة السعودية، واعتبرته "كافرا" فيما بعد. أما في عهد المخلوع حسني مبارك فقد خفت الصراع بين السعودية ومصر على المرجعية الدينية نظرا لعدم اكتراث نظام مبارك بالدين كهوية معبرة عن الدولة، رغم أنه جامل السعودية وخفض العلاقات مع إيران إلى حدودها الدنيا.

بلغت المنافسة ذروتها بين السعودية على الشرعية الدينية ومصر في عهد الرئيس محمد مرسي. وللمفارقة فإن الأزهر لم يكن هو وجه الاختلاف، بل هو تخوف سعودي خليجي حول قدرة الإسلام السياسي أو المعتدل على جذب الشعوب العربية أكثر من أي جهة دينية مسيطرعليها حكوميا أو اتجاها فكريا منغلقا بسلفية أو صوفية. وتعاون الأزهر مع السعودية ضد الرئيس المنتخب، وساهم بالإطاحة به، قبل أن يعود التنافس مجددا بين الأزهروالسلفية السعودية.

شكل المنافسة اليوم

رغم الوقوف العلني والقوي من جانب السعودية إلى جانب نظام السيسي، إلا أن المنافسة بينهما لا تزال شديدة في عدة مجالات، أحدها المرجعية الدينية. الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، نوعية من القادة الطموحين المتدرجين الصبورين الذين لا يستعجلون الصدام إلا وفق حسابات خاصة به تضمن له التفوق بغض النظر فيما بعد عن الثمن والمشروعية الأخلاقية. فالسيسي لا يمكن أن يكون من الشخصيات الزاهدة بزعامة دينية أو مرجعية دينية تحرمه القبول والرضا الشعبي، فهذه هي عادة الحاكم العربي منذ قرون،البحث عن الشرعية في الدين من ناحية، وعزل الدين وتأثيره عن الحياة من ناحية ثانية، أي الاستفادة من الدين بالقدر الذي يحقق له المصلحة.

لذلك ونظرا لحاجة السيسي للدعم السعودي فإنه لا يستعجل الصدام الديني معها أو المنافسة العلنية معها، خاصة في ظل ما يردده أتباع السيسي من كونه "رجل متدين وملتزم" وزوجته ترتدي الحجاب". ويرى المراقبون، مع ذلك، أن السيسي بدأمبكرا المناكفة الدينية مع السعودية بعدد من الطرق والأساليب.

أزهريون في "قم"

إحدى الطرق والأساليب التي يستخدمها السيسي في هذا السياق هو تشجيع زيارة الأزهريين إلى إيران وليس إلى السعودية، في حين كان مجرد اتصال هاتفي بين مواطنين في القاهرة وطهران هو تطبيع ونشر تشيع في عهد مرسي. مؤخرا، قام احد أكبر الأزهريين الداعمين للسيسي أحمد كريمة بزيارة إلى إيران واجتمع بكبار علماء الشيعة في "قم"، ما أدى إلى موجة انزعاج شعبي مصري دفع الأزهر للتبرؤ من الزيارة وفتح تحقيق بشأنها، وسط صمت سلفي مطبق رغم الطابع الديني الذي امتازت به زيارة كريمة لطهران.

ويرى مراقبون أنه، لا يمكن أن تتم الزيارة بدون معرفة السيسي أو على الأقل عدم معارضته لها، بل قد يكون السيسي هو من يدير هذه التحركات السياسية أمام داعميه الخليجيين ولا سميا السعودية. فالعقيدة الدبلوماسية والسياسية المصرية لا تعترف بالحساسيات القائمة بين دول الخليج وإيران. و زعم كريمة في حديثه لفضائية دريم (17|9) أن ثلاثة أرباع الشعب السعودي يعتنق المذهب الشيعي ، مضيفا قوله : "السعودية ودول الخليج تعادى إيران، فندور وراءها في نفس الفلك، أين القومية المصرية؟.. السعودية تعادى إيران بسبب خلافات سياسية، وليس بسبب أنها شيعية لأن ثلاثة أرباع السعوديين يعتنقون المذهب الشيعى"،على حد قوله.

الإعلام الحكومي المصري

 في السابع من سبتمبر الجاري نشرت بوابة الأهرام المصرية المملوكة للحكومة تحقيقا صحفيا صادما للغاية، بعنوان"البحث عن مصحف فاطمة بإيران.. يشاع أنه يحتوى على سورة تسمى"الولاية" وحكام المسلمين حتى يوم القيامة"، وبغض النظر عن مضمونه،لكنه يعني شيئا واحدا، وهو سقوط جميع الفكر السلفي ومواقفه من المذهب الشيعي، ليصل القارئ إلى أنه لا فرق في المذهب بين الشيعة والسنة إلا بالقدر الذي أوجده "متطرفوالسلفية"، ويقدم التحقيق الصحفي ردودا مفحمة لكل من يقول هناك اختلاف بين السنة والشيعة. ويعتبر نشر تحقيقات كهذه أحد الطرق التي يضرب فيها السيسي المرجعية الدينية السلفية تحت الحزام.

السيسي، يحاول التشكيك بأسس "السلفية" وإظهار "عوارها" و "نقائصها" وأن البديل هو جهة دينية وحدوية تقوم على وحدة المسلمين دون نزعات مذهبية أو خلافات دينية، إلى جانب أن التلويح بالتقارب بين مصر وإيران يدفع لابتزاز السعودية، فلو تشيعت مصر، فإن هذا يعني أن غالبية العرب المسلمين سيكونون من الشيعة لا من السنة، وهو ما يشكل كابوسا للسعودية، واستثمارا في السيسي أكثر من خاسر.

الإمارات و مذهب السيسي

الإمارات أكثر دولة التزاما بنظام السيسي وأكثرها ترويجا له و للدور المتوقع أن تلعبه مصرفي العالم العربي في جميع المجالات، وأهمها وأولها الشأن الديني كون الإمارات معنية أيضا بوجود مرجعية دينية ذات ثقل تقدم الإسلام وفق تصورها للإسلام، بعيدا عن السلفية وبعيدا عن الإسلام السياسي أو الوسطي.

لذلك، فقد عبرت السعودية قبل نحو شهرين عن سخطها وتحفظها لأبوظبي على حملات إعلامية إماراتية منظمة تروج للأزهر كمرجعية وحيدة للإسلام وبما يعني تهميشا للدور الديني للمملكة وضربا لأسس بقاء النظام السعودي الذي يستمد شرعيته من الفكر السلفي.

و جاء في تقرير على قناة العالم الإخبارية الإيرانية، إن الرياض أبدت انزعاجا من احتضان واستضافة أبوظبي لرموز صوفية أزهرية مثل شيخ الأزهر أحمد الطيب ومفتي مصر السابق علي جمعة واليمني الحبيب علي الجفري وتقديمهم من خلال وسائل إعلام الإمارات كنموذج فريد ووحيد للدين الإسلامي السمح وبما يعتبر ضربا لرموز الفكر الوهابي بالجزيرة العربية ومن بينهم أئمة الحرمين المكي والنبوي الشريفين الذين أبدوا انزعاجا كبيرا لحكام السعودية تجاه هذا الأمر الذي يعني تقديمهم للعالم وللمسلمين كمتطرفين وإرهابيين.

وأشارت مصادر  "قناة العالم"، إلى أن ما أثار قلق السعودية كذلك هو وصول معلومات لديها عن توجيهات عليا صدرت لصحف الإمارات ووسائل إعلامها بشن حملات منظمة والتركيز على موضوع تجديد الخطاب الديني وأن "ما زاد الطين بلة" هو تمليح بعض افتتاحيات الصحف إلى ما اعتبرته "خطابا سعوديا دينيا متشدداً" يجب تجديده لأنه المسؤول عن "تطرف الشباب هنا وهناك".

وكانت صحيفة "الخليج" الإماراتية الرسمية قد دعت في افتتاحية لها يوم 17 يونيو الماضي تحت عنوان "تجديد الخطاب الديني" إلى أن يكون الأزهر هوالمرجعية الدينية الوحيدة، قائلة إن تجديد الخطاب الديني إلى "السمح المعتدل الذي يقبل الآخر هو مسؤولية الجميع، أنظمة وحكومات ومؤسسات ومراكز دينية، وفي المقام الأول هي مسؤولية الأزهر الشريف كمنارة دعوية وفكرية وثقافية إسلامية في صياغة خطاب إسلامي موحد ومعتدل، ووضع حد للمتطفلين على الدين والذين يسيئون إليه".

الكبيسي يسب محمد بن عبد الوهاب

انتقد العراقي المقيم في الإمارات أحمد الكبيسي، في تسجيل فيديو يُتداول على نطاق واسع في شبكات التواصل الاجتماعي، محمد بن عبدالوهاب بقوله: "فليسمعني هذا الكلب ابن الكلب.. أبو بكر البغدادي.. قاتل الحسين أشرف منه، هذا عميل يهود وليس أكثر.. والله داعش وماعش وحتى محمد بن عبدالوهاب أبوالوهابية صنيعة يهودية مائة في المائة ودعهم يقتلونني إذا أرادوا". ولا يتصورإنسان أن يجرؤ الكبيسي على القيام بذلك، كما سب من قبل معاوية على شاشة تلفزيون دبي قبل نحو عامين، إلا إن أمن العقوبة على الأقل.

استدراكات وهدنة

بعد أيام قليلة من هجوم الكبيسي على ابن عبد الوهاب اعتذر بشدة عن انتقاده السابق مشيدا بمناقب الرجل بعد أن جرت مقاضاته. وكانت الصحف الإماراتية بعد حملة الترويج للأزهر، أخذت توازن خطابها لجهة عدم انتقاد "التطرف والتشدد" الذي تنسبه إلى السلفية، وإن ظل خطابها مستمرا في الإشادة"بالوسطية" دون الإشارة إلى الأزهر.

غير أن أكبر هدنة بين الأزهروالسعودية، هو منح الأزهر العاهل السعودي شهادتي دكتوراة فخريتين من الأزهر الشريف خلال شهر واحد، في يوليو وأغسطس الماضي. إذ قرر مجلس جامعة الأزهر، في 16 يوليو منح الشهادة الفخرية الأولى لملك السعودية "لدوره في خدمة قضايا الإسلام والمسلمين في شتى أنحاء العالم".

ومع ذلك، فليس من المتوقع أن يتنازل السيسي عن "الشرعية الدينية" التي يمثلها الأزهرللسعودية التي تدعي ذات الشرعية وتستند إليها، غير أن الصراع على ذلك غير ظاهر،لانشغال الطرفين بمواجهة "أعداء" آخرين. وما إن تهدأ هذه المعارك حتى تنشب معركة تمثيل الإسلام والمسلمين بين السعودية ومصر.

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 18-09-2014

مواضيع ذات صلة