أردوغان يخلع "القفازات".. هل تنتقل تركيا وأبوظبي من الحرب بالوكالة إليها بالأصالة!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 26-12-2019

تدهورت علاقات أبوظبي وأنقرة بصورة كبيرة بعد انقلابين. انقلاب السيسي عام 2013، ومحاولة انقلاب فاشلة عام 2016 في تركيا. في الحالة الأولى، أقر أنور قرقاش أن سبب الخلاف مع تركيا يعود لرفض أردوغان الاعتراف بالانقلاب على الرئيس الشرعي الراحل محمد مرسي. وفي الثانية، اتهمت تركيا مستشار محمد بن زايد، محمد دحلان، بالتورط بدعم الانقلابيين. ومؤخرا، تصاعد التوتر بين الجانبين على خلفية الاشتباك العسكري بالوكالة بينهما في ليبيا، وبعد تطور دستوري مهم في بلاد الأناضول، تمثل بالتحول للنظام الرئاسي الذي أتاح لأردوغان التحرك بدينامية فائقة، في ذروة خلافات دبلوماسية بعد عملية "نبع السلام"، وقمة ماليزيا الإسلامية  والتطورات الراهنة في ليبيا. فهل تشكل هذه الإرهاصات مقدمة لصدام عسكري مباشر بين الدولتين على الأراضي الليبية؟

ما هي شكوى أنقرة من أبوظبي في دعم الأكراد؟

للمفارقة، فإن الشهور التي شهدت تطبيعا متسارعا بين أبوظبي وإيران وحليفه نظام الأسد، ومهادنة الحوثيين، سجلت أيضا  تصعيدا إماراتيا إزاء تركيا. زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله، شرح ذلك، قائلا: "الانفتاح الأخير" لبعض الدول العربية باتجاه سوريا سببه قرار ترامب، الانسحاب من هذه البلاد. قرارات ترامب "أخافت السعودية والإمارات اللتين اعتبرتا أن تركيا هي الخطر الأكبر وليس إيران".

أبوظبي لم تتجاهل، فقط، حساسية الأتراك إزاء الملف الكردي، وإنما أيضا حاولت أن تنقض على أنقرة من هذه الثغرة، على حد تعبير وسائل إعلام تركية.

ففي الصيف الماضي، كشف موقع إسرائيلي زيارة ضباط مصريين وإماراتيين مدينة منبج في ريف حلب شمالي سوريا، وإجرائهم جولة استكشافية، تزامناً مع الانسحاب الأمريكي من سوريا، والهدف المعلن مواجهة إيران. ولكن مواقع إعلامية اعتبرت هذه الخطوة استفزازاً لتركيا، كون السيسي "صديقا" لطهران ودمشق، وعدوا لأردوغان.

وإلى جانب هذه الزيارة الميدانية، اجتمع أنور قرقاش بمسؤولين بتنظيم " مظلوم كوباني" في النرويج في يونيو الماضي وسط موقف إماراتي مندد بشدة بعملية "نبع السلام" التركية التي شنتها أنقرة مؤخرا ضد هذا التنظيم الذي يعتبره الأتراك إرهابيا.

واعتبرت أبوظبي أن العملية العسكرية التركية "عدوانا" على دولة عربية. وقال بيان صادر عن وزارة الخارجية: "العدوان يمثل تطوراً خطيراً واعتداءً صارخاً غير مقبول على سيادة دولة عربية شقيقة بما يتنافى مع قواعد القانون الدولي، ويمثل تدخلاً صارخا في الشأن العربي".

وأكد البيان "موقف دولة الإمارات الثابت والرافض لكل ما يمس سيادة الأمن القومي العربي ويهدد الأمن والسلم الدوليين"، محذرا من "تبعات هذه العدوان على وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية ومسار العملية السياسية فيها"، على حد تعبيرها.

وعلى عجل، يقول مراقبون، دفعت أبوظبي الجامعة العربية لعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب لبحث "العدوان التركي". وشن وزراء خارجية الإمارات والسعودية ومصر انتقادات لاذعة ضد تركيا. وقرر الاجتماع، النظر في خفض العلاقات الدبلوماسية ووقف التعاون العسكري ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياحية مع أنقرة، وكل ذلك بدفع سياسي من جانب أبوظبي والرياض.

لم ينس الأتراك، هذا الموقف لأبوظبي. لذلك، وفي أعقاب اجتماع حكومي موسع في أنقرة، الثلاثاء (24|12)،  قال الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن: "إن أنقرة لن تصمت إزاء تواصل دول خليجية مع الإرهابي المدعو «مظلوم كوباني» في سوريا". وأضاف: "نرى أن بعض دول الخليج تعقد لقاءات مع الإرهابي كوباني، سعياً لاستخدامه ضد تركيا، وهذا لن يبقى دون رد". المراقبون أشاروا أن المقصود أبوظبي والرياض تحديدا.

وفي الأسبوع الماضي، كشفت سجلات بريد إلكترونية مسربة محاولة شركة ضغط في واشنطن، نيابة عن الإمارات، ممارسة ضغوط على بعض السيناتورات لفرض عقوبات على تركيا.

وتضمن البريد الإلكتروني إدانة عملية "نبع السلام"، وأنّ “الإمارات تدعم إجراءات فرض عقوبات على تركيا، على غرار مشروع قرار اعتمده مجلس النواب الأمريكي”. ولكن هذه الشركة نفت سعي أبوظبي فرض عقوبات إلا أنها اعترفت بالإدانة!

 

لماذا هاجمت أبوظبي قمة ماليزيا بشدة؟

يقول مراقبون إنه من الطبيعي ألا تستقبل أبوظبي قمة كوالالميور الأسبوع الماضي "بسعادة"، لوجود أمير قطر و أردوغان، ووفد من حماس ومفكرين إسلاميين. وكشفت مصادر قريبة من القمة أن أبوظبي مارست ضغوطا على إندونيسيا لعدم الحضور، بعد أن رفضت ماليزيا شروط أبوظبي لعقد القمة والتي تمثلت بتحكم الأخيرة بأجندة القمة والحضور.

أردوغان، وفي استهداف إعلامي مباشر غير معهود، وضمن المرات النادرة التي يسمي فيها أبوظبي بالأسم، قال: إن باكستان تعرضت لضغوط إماراتية وسعودية لمنعها من المشاركة في القمة. وأكد "هذه المواقف التي تصدر عن السعودية وإمارة أبوظبي ليست الأولى من نوعها"، فقد فعلوا ذلك مع الصومال.

وظلت أبوظبي طوال أسبوع القمة توجه انتقادات لاذعة لها وللقائمين عليها، خاصة تركيا. وقال أنور قرقاش: "هل بالإمكان أن ينهض العالم الإسلامي بغياب الحضور العربي؟ وهل ينهض بغياب بلاد الحرمين الشريفين والأزهر الشريف؟". وتابع:  "الإجابة الواضحة هي النفي، فالاستقطاب والتفريق والتحزب لم يكن أبدا الحل ولن يكون"، على حد توصيفاته المزعومة.

أما أردوغان، فعاود بعد القمة ليتهم دولا إسلامية (لم يسمها)، بأنها تسابِق الدول الغربية في عرقلة نهوض العالم الإسلامي بما تملكه من إمكانيات. وأشار أن تلك الدول هي التي تؤجج النزاعات في العالم الإسلامي من اليمن إلى ليبيا، وتبقي على حالة الانقسام.

 

هل يشكل دحلان جزءا من الحل في الأزمة بين أردوغان وأبوظبي؟

يمكن القول، إن ما بعد عملية "نبع السلام" ليس كما قبلها، بالنسبة لتركيا على الأقل. فقد طرحت أنقرة بقوة موضوع محمد دحلان، فضلا عن تفجر الملف الليبي. ففي أكتوبر الماضي، خاطب وزير الخارجية التركي، الإمارات، عبر "الجزيرة"، قائلا: "هناك إرهابي اسمه محمد دحلان، وقد هرب عندكم لأنه عميل لإسرائيل".

وأوضح أن انزعاج الرياض وأبوظبي من أنقرة يعود إلى اهتمام تركيا بشؤون الأمة الإسلامية أكثر منهما.

وبينما عرضت قناة سعودية مسلسل "ممالك النار" الذي أنتجته شركة إماراتية وشكل هجوما حادا على تاريخ الدولة العثمانية وأظهرها دولة استعمارية متوحشة، كانت أنقرة تعرض مكافأة مالية مجزية لإلقاء القبض على دحلان، الذي اتهمته تركيا أيضا بالوقوف خلف جاسوسيين فلسطينيين يعملان في الساحة التركية لصالح الإمارات ودحلان.

وفي ديسمبر الجاري، وعلى نحو مفاجئ ، بحث طحنون بن زايد مستشار الأمن الوطني، في أبوظبي مع "جان ديزدار" سفير تركيا " مجمل القضايا الإقليمية، وعدد من المسائل والملفات التي تهم البلدين، فضلاً عن العلاقات الثنائية".

وفي الأثناء، كانت أبوظبي تتواصل مع اليونان التي تشكل العدو التقليدي لتركيا. والتقى وزير الخارجية عبدالله بن زايد نظيره اليوناني في أبوظبي، "وتبادلا وجهات النظر تجاه عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك ومنها الأزمة الليبية"، بحسب إعلام أبوظبي. وجاء هذا اللقاء في أعقاب لقاء الوزير اليوناني الملك سلمان في الرياض، وقبل أن يلتقي نظيره المصري أيضا في القاهرة ومجرم الحرب خليفة حفتر في بنغازي.

اجتماع طحنون بن زايد بالسفير التركي تكلل بالفشل، إذ أدرجت الداخلية التركية، بعد أيام من هذا اللقاء، محمد دحلان، رسميا في القائمة الحمراء للإرهابيين المطلوبين. وقالت الوزارة في بيان: إنها رصدت مكافأة قد تصل قيمتها لـ10 ملايين ليرة تركية ( نحو1.7 مليون دولار) لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه.

فبحسب صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية، فإن "تركيا تريد استخدام الاتهامات ضد دحلان كجزء من منافستها العامة مع الإمارات والسعودية على النفوذ الإقليمي، فأنقرة تريد أن تأخذ عباءة من الرياض لتصبح بطل الأمة لأسباب إسلامية مختلفة".

أما موقع "الجزيرة نت"، فقال: إن "تعرية دحلان بهذه الصورة، وفضح الإمارات التي تقف خلفه تحركه بتعليماتها، يعني إمكانية ضمها رسميًا كطرف رئيس وفاعل في محاولة الانقلاب الفاشلة، وفي هذا إضعاف لجبهة تناصب تركيا العداء وتبذل الكثير من الجهد والمال في سبيل إلحاق الضرر بها".

ما هي جوهر الخلافات بين تركيا وأبوظبي على ليبيا؟

صعدت أنقرة خلال الساعات الماضية لهجتها ضد أبوظبي وذلك في أعقاب انتقادات وجهها أردوغان مؤخرا ضد أبوظبي لدورها في محاولة عرقلة قمة ماليزيا.

وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، في أعقاب توقيع حكومة طرابلس الشرعية اتفاقا أمنيا وعسكريا مع أنقرة وأثار غضب أبوظبي والقاهرة- قال: "ربما تكون هناك حاجة لمشروع قانون يتيح نشر قوات في ليبيا، والبرلمان يعمل على ذلك".

وشدد كالن، أن "روسيا والإمارات ومصر يدعمون حفتر، ويلومون تركيا؛ لدعمها حكومة الوفاق المعترف بها دولياً".

أما رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألطون، فوجه تهديدات غير مسبوقة، قائلا: "يجب ألا ننسى أن مصر وروسيا والإمارات تتجاهل قرارات الأمم المتحدة من خلال دعمها خليفة حفتر في ليبيا". وشدد: "من الآن فصاعدا تركيا في الميدان، عبر سياستها الخارجية الأكثر فعالية وكفاحها من أجل حقوقها السيادية".

هذا التهديد التركي الواضح، دفع أنور قرقاش للقول عبر "تويتر": "ابتليت المنطقة بخطاب متطرف متأجج محسوب على حكومات همّها توسيع نفوذها على حساب العالم العربي". وأضاف: "خطاب التهديد من دول لاتزال تجتر أحلامها الإمبراطورية والخاوي من الرسائل الإيجابية مرفوض جملة وتفصيلاً".

وكان أردوغان  حذر أيضا من إضفاء الشرعية على حفتر في ليبيا، واتهم مصر والإمارات وفرنسا وإيطاليا بالتورط في تلك الجهود. وقال: إن أحدا لم يسأل "ماذا تفعل حكومة أبو ظبي في ليبيا؟".

وعليه، يقول مراقبون، منذ عام وأنقرة وأبوظبي يتحاربان بالوكالة في ليبيا، فهل يشهد العام المقبل مواجهة عسكرية مباشرة بينهما، بعد أن خلع أردوغان "القفازات" على حد تعبير ناشطين؟ وهل أبوظبي مستعدة لهذا الصراع ولديها القدرة على تحمل نتائجه؟! يتساءل مراقبون.

 

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 26-12-2019

مواضيع ذات صلة