"رويترز" و"تويتر" يغزوان عاصمة الإعلام العربي و"الإلكتروني" بـ"التجسس" و"المنتجات".. والمتهم "جهات معادية"! 

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 19-12-2019

 

تقرير نشرته وكالة "رويترز" كشف برامج التجسس الخطيرة التي توظفها أبوظبي ضد الإماراتيين، إلى جانب "شائعة" عبر "تويتر" عن منتجات جبل علي بدبي، أقاما الدنيا ولم يقعداها في الدولة. ولأننا نعتقد أن النقاش علامة صحية، إلا أن الجدل الذي فجره هذان الحدثان، والخائضين فيهما اختاروا تحميل المسؤولية لإعلام وجهات معادية، وأعفوا أنفسهم من أي مسؤولية وتجنبوا الأسباب الحقيقية لضعف الإعلام الإماراتي. "الإمارات71" يقدم في هذا التقرير، للإماراتيين عموما، ولأؤلئك المتسائلين من النخبة الحاكمة ومن حولها، إجابة تقنية لا سياسية لحال الإعلام الإماراتي، ولماذا هزّ تقرير و"شائعة" بنيان عاصمة القمع العربي (أبوظبي)، وعاصمة الإعلام العربي لعام 2020 (دبي)؟!

ما هي ملامح إمبراطورية الإعلام المادية والمعنوية في الإمارات؟

لا يختلف اثنان أن دولة الإمارات تمتلك أو/ و يعمل فيها ترسانة هائلة من وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، في مدينة دبي للإعلام وشقيقاتها في أبوظبي والفجيرة، إلى جانب مدينة دبي للانترنت حيث المقر الإقليمي لشركة "تويتر"، فضلا عن إمبراطورية من الإعلام الحكومي في أبوظبي ودبي تحديدا.

سلطان الجابر، وزير الدولة، والمسؤول عن نحو 30 ملفا استراتيجيا وحيويا في الدولة، رئيس المجلس الوطني للإعلام، كشف مؤخرا أن عدد المؤسسات الإعلامية المرخصة في المناطق الحرة بالإمارات يبلغ 38 محطة إذاعية و 180 محطة تلفزيونية و 54 صحيفة ومئات المجلات. وأكد أن المجلس وقع مذكرات تفاهم مع هذه الجهات لمراقبة محتواها، وأن سلطة المجلس على تلك الجهات لا يقتصر فقط على منح التراخيص بل إن المجلس يعد كذلك أداة رقابية على محتواها.

وأضاف: "هناك ممثلين في مجلس إدارة المجلس الوطني للإعلام من المناطق الحرة والتشريعات الجديدة تسمح للمجلس التدخل المباشر والسريع في حال كان هناك أية مخالفة تحريرية في أي مؤسسة ونراقب هذه الأعمال بشكل مستمر"، على حد اعترافه بالرقابة.

وإلى جانب هذه القوة الإعلامية المادية، حققت دبي في يوليو الماضي إنجازيين إعلاميين كبيرين؛ إذ قرر مجلس وزراء الإعلام العرب، اختيار دبي "عاصمة للإعلام العربي لعام 2020". أعقب ذلك اختيار جامعة الدول العربية دبي مقراً دائماً "للجنة العربية للإعلام الإلكتروني".

ولكن، كيف كبلت أبوظبي (عاصمة القمع) كل هذه الإمبراطوية الإعلامية؟

دشنت السلطات ولا سيما جهاز الأمن بنية تحتية لا تزال تتعاظم في سياق تقييد الحريات العامة، وحرية التعبير وحرية الانترنت والصحافة خصوصا.

فالمرسوم بقانون اتحادي رقم 24 لسنة 2018 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الاتحادي رقم 3 لسنة 1987، وسع الموضوعات التي تعتبر سرا من أسرار الدفاع عن الدولة، لتشمل المعلومات "السياسية والاقتصادية والصناعية والعلمية.. أو غيرها بالمعلومات التي لا يعلمها بحكم طبيعتها إلا الأشخاص الذين لهم صفة في ذلك والتي تقتضي مصلحة الدولة أن تبقى سراً على من عداهم».

وصدر مرسوم بقانون اتحادي رقم /2/ لسنة 2018، تضمن تغليط العقوبات ومضاعفاتها على "جرائم" تقنية المعلومات، باستبدال نصوص 3 مواد من مرسوم جرائم تقنية المعلومات رقم 5 لسنة 2012، ما قوض حرية الولوج للمعلومات وتقييد الوصول إليها.

كذلك، صدر مرسوم بقانون رقم  2 لسنة 2015 بشأن مكافحة التمييز والكراهية. ويفرض القانون مزيداً من القيود على الحق في حرية التعبير. وأيضا، قانون رقم 7 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية.

ومن جهته، اعتمد سمو الشيخ محمد بن راشد تشكيل "لجنة دبي للاتصال الخارجي"، و برنامج "إحاطات دبي الإعلامية" التابع للمكتب الإعلامي و"الهادف إلى إطلاع الإعلام المحلي والإقليمي والدولي على أهم المستجدات في الدولة".

 هاتان اللجنتان، إلى جانب المراسيم والقوانين السابقة وغيرها، شكلوا عائقا أمام حرية الحصول على المعلومات كونهما احتكرا تقديم المعلومات باعتبارهما القناة الشرعية الوحيدة للحصول على المعلومات في دبي، وهو ما يعني أن أي مصادر أخرى للإعلام قد تم تقييدها تماما. فتحولت  وسائل الإعلام إلى مجرد ناقل للأخبار والإحصاءات المستهدفة من جانب المؤسسات ويحظر على الإعلام أن يقوم بدوره الإخباري والتثقيفي والرقابي.

ومنذ أكثر من 15 عاما لا تسمح السلطات في الدولة بالظهور الإعلامي على وسائل الإعلام الحكومية إلا للمؤيدين لها والمسوقين لسياساتها، معززة سياسة الحجب الإعلامي ومنع الظهور لهذه الشخصيات في مخالفة واضحة وصريحة للدستور الذي جعل حرية التعبير وحرية التلقي حق لكل مواطن، ولكن التعسف يحول دون تطبيق ذلك، على حد تعبير إعلاميين.

وفوق كل ما سبق، النائب العام يحظر على الإماراتيين أن يعبروا عن أي رأي تعتبره السلطات مخالفا لها، وأصدر قرارا ينص على ذلك المنع ويفرض العقوبات عليه بكل وضوح، كما فعل ذلك عند اندلاع الأزمة الخليجية مانعا إظهار أي صوت يدعو للمصالحة والحوار. 

ليس هذا فحسب، بل نقلت صحيفة "إنترناشونال بيزنس تايمز" عن وزارة الداخلية في أبوظبي قولها: إن "نشر صور الفيضانات على مواقع التواصل الاجتماعي ممنوع في الإمارات، ومن سيفعل ذلك ستتم محاكمته". واعتبرت أن نشر الصور عن الفيضانات في البلاد" قد تؤدي لمحاكمة المستخدمين بموجب قانون جرائم المعلوماتية".

هذه البنية الخانقة دفعت سفير الإمارات في روسيا عمر غباش، لأن يؤكد لصحيفة "الغارديان" أن الإمارات "لا تروّج لحريّة الصحافة". كما برّر غباش التضييق على حرية التعبير، بأن "لمنطقة الشرق الأوسط سياق خاصّ"، وأكد: "نحن لا ندّعي أن لدينا حرية الصحافة، ونحن لا نروّج لفكرة حرية الصّحافة، نحن نتحدث عن المسؤولية في الخطاب"، على حد زعمه.

حتى الأكاديمي عبد الخالق عبد الله، الذي تصفه وسائل إعلام بأنه مستشار الشيخ محمد بن زايد، والمحسوب تاريخيا على السياسة الرسمية للدولة، وصف البيئة السابقة بالقول: "أعداء حرية التعبير، أفرادا ومسؤولين، زاد عددهم، وقانون الجريمة الإلكترونية لا يرحم".

بماذا تقيم المنظمات الدولية المتخصصة أوضاع لحريات في الدولة؟

بحسب تقرير "فريدوم هاوس" حول الحرية في دول العالم لعام 2018، فإن الإمارات "غير حرة" وحققت 17 نقطة من 100، وعربيا فقط سبقت اليمن (13) وليبيا (9) والسعودية (7). وبذلك تراجعت الإمارات 3 نقاط، إذ حصدت في تقرير 2017 عشرين نقطة. 

 وصنفت المنظمة الإمارات "غير حرة" في حرية الصحافة، وحرية الانترنت، وهو أضعف درجة و تصنيف.

  أما بمقاييس منظمة "مراسلون بلا حدود" لعام 2018، فقد تراجعت الإمارات 9 درجات على مؤشر حرية الصحافة، إذ احتلت المرتبة 128 من أصل 180 دولة، بعد أن كانت في عام 2017 في المرتبة 119. 

إذا كان حال الحريات في إمبراطورية الإعلام على هذا النحو، فكيف تعاملت الدولة مع تقرير التجسس، وشائعة تويتر؟

الموقف الرسمي الوحيد الذي صدر، جاء من المكتب الإعلامي لحكومة دبي مدافعا عن منتجات جبل علي، محمّلا المسؤولية في "الشائعة" إلى ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي في "دول معادية"، على حد تعبيره. أما تقرير "رويترز" بشأن تجسس أبوظبي على الإماراتيين، فلم يصدر أي كلمة حوله، لأنه بحسب الناشط الإماراتي حمد الشامسي: إن خوض أبوظبي بهذا التقرير سيدفع الوكالة للإفراج عن آلاف الوثائق التي تؤكد جريمة التجسس.

أما الشخصيات المحسوبة على أبوظبي من أمثال جمال السويدي وضاحي خلفان ومحمد الحمادي رئيس تحرير صحيفة "الاتحاد" سابقا، وأستاذة الإعلام عائشة النعيمي وإعلاميين آخرين فقد تساءلوا عن سبب إخفاق إمبراطورية الإعلام في الدولة في التصدي لما أسموها "الحملة" التي تستهدفها.

السويدي ومن معه، اتبعوا سياسة "دفن الرؤوس في الرمال"، ولم يجرؤ أحد منهم لذكر سبب واحد لضعف الإعلام الإماراتي، لأنهم أرادوا إعفاء أنفسهم مبكرا من أي مسؤولية، كونهم جزءا من المنظومة الإعلامية والدعائية لأبوظبي، وتقرير رويترز و"شائعة" تويتر دليل على إخفاقهم، لذلك أخذوا يتسابقون للتنصل من المسؤولية من جهة، والتنظير من جهة ثانية.

المفارقة، أن عائشة النعيمي دخلت في سجال مع الإعلامي يعقوب السعدي الذي حافظ على الخطاب "المتخشب" في دفاعه عن الإعلام الإماراتي، لتعلن أنها سوف تقاضي السعدي على تغريداته، دون أن تنتبه النعيمي أن القضاء نفسه والنيابة العامة ذاتها والقوانين في الدولة أيضا، جزء من تدهور الحريات والحقوق في الدولة!

 

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 19-12-2019

مواضيع ذات صلة