محاربة فساد القوات المسلحة في الإمارات والاستجابة للرأي العام.. الدرس الاحترافي من الكويت!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 21-11-2019

في أقل من أسبوعين قدمت الكويت، ولا سيما أميرها، الشيخ صبّاح الأحمد الجابر الصباح، درسين  احترافيين بليغين، بحسب ناشطين، إثر تعامله المباشر مع عريضة مثقفين وأكاديميين كويتيين طالبت بالعفو عن معتقلي الرأي، وبعد تصديه لملف الفساد بعد وقفة احتجاجية أيضا لناشطين كويتيين. التعامل الكويتي مع هذين الملفين يختلف تماما مع تعامل أبوظبي في قضايا الفساد، وفي التعامل مع العرائض. فكيف تعاملت الدولتين معهما، وما هي الدروس السياسية والوطنية في هذا السياق؟

كيف تعاملت الكويت مع ملف الفساد في القوات المسلحة؟

لم يكد يمضي سوى بضعة أيام على وقفة احتجاجية نظمها ناشطون كويتيون في العاصمة الكويت، دعت لمكافحة الفساد عموما، والفساد في الجيش الكويتي، حتى بادر أمير الكويت والمؤسسات الكويتية المختلفة للتحرك في هذا المجال، ولا سيما مجلس الأمة (البرلمان) المنتخب بصورة كاملة وبطريقة ديمقراطية ونزيهة. فاستقالت الحكومة، وأقيل وزيرا الدفاع والداخلية، وأحيلا إلى التحقيق وينتظرهم القضاء الكويتي المستقل ليقول كلمته في الملف برمته.

كانت البداية، عندما طلب البرلمان طرح الثقة عن نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية الشيخ خالد الجراح، ووجهت له اتهامات عديدة تتعلق بملفات «المصروفات الخاصة» و«غسل أموال بالمجلس الأولمبي»، و«الحسابات الوهمية»، وإلغاء الترقيات والتعيينات في الوزارة، وعدد آخر من الملفات.

وبعد يومين من استجواب الجراح، تقدم رئيس الحكومة الكويتية الشيخ جابر المبارك الصباح إلى تقديم استقالة حكومته إلى أمير الكويت الذي وافق عليها.

لكن المفاجأة الكبرى كانت، حين أصدر أمير الكويت أمرًا أميريًا بإعفاء النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، نجله الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، وكذلك وزير الداخلية خالد الجراح الصباح، من منصبيهما بحكومة تصريف الأعمال.

و في سابقة نوعية تبادل الاثنان الاتهامات بينهما في صراع علني، فأدخلا البلاد في أزمة كبيرة غير مسبوقة.

ورغم ما يحمله ظاهر هذا الخلاف النادر من خطورة غير معهودة في البيئة الخليجية، فإنه خلاف صحي لا يمكن أن أشد خطورة من الفساد نفسه، الذي يتم حجبه دائما بزعم الحفاظ على الاستقرار والمؤسسات. والكويت تتقدم خطوة أخرى على سائر دول الخليج، عندما تحارب الفساد وفق الأصول القانونية والسياسية دون خوف من أي تبعات مزعومة، كما يلوح دائما المتسترون على الفساد.

واعتبر المحلل السياسي الكويتي قيس الشطي، "في إقالة وزير الدفاع ووزير الداخلية ظاهرة جديدة في الحياة السياسية الكويتية، ودليل على أن البلد أكبر من الأشخاص، وأن القضاء هو الفيصل لأخذ الحقوق لأي من كان، وقد أكد سمو الأمير في كلمة له أنه لا يوجد حماية لأي شخص يتجاوز القانون أو يستولي على المال العام، وقد أتى قرار الإقالة المذكور تنفيذًا للقانون الكويتي".

ومن جهته، اعتبر المحلل السياسي الكويتي مساعد العنزي، أن إقالة وزير الدفاع وهو ابن حاكم الكويت وأحد أبناء الأسرة الحاكمة دليل على أن الكويت دولة مؤسسات وقانون حيث إن الموضوع الآن بيد القضاء.

أعقب ذلك، أن كلف أمير الكويت وزير الخارجية صباح خالد الحمد الصباح، بتشكيل الحكومة، ودعاه عقب أدائه اليمين الدستورية إلى محاربة الفساد.

وخاطب أمير الكويت، رئيس الوزراء الجديد قائلا: "حملناك المسؤولیة.. مسؤولیة كبیرة والله یساعدك علیھا ویساعدك إن شاء الله أنت ثوبك نظیف فحارب الفساد، وحارب المفسدین ولا تخلي أحد یقول شيء غیر صالح"، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الكويتية الرسمية.

وفي تطور لاحق، قررت لجنة التحقيق الدائمة الخاصة بمحاكمة الوزراء، حظر نشر أي أخبار عن بلاغ "التجاوزات المالية" المزعومة في صندوق مالي تابع للجيش، وإجراء تحقيقات "سرية".

وعلى صعيد البرلمان المنتخب والمستقل، سادت حالة من الغضب في ردود فعل النواب جاه ما بات يعرف بقضية "صندوق الجيش" والتي تدور حول مخالفات كبيرة في التعاملات التي تتضمنها حسابات الصندوق والحسابات ذات الصلة به.

ونقلت صحيفة "القبس" الكويتية بعضا من تعليقات النواب الكويتين، منهم النائب "ثامر السويط" الذي قال: إن "‏الأنباء المتداولة حول اتهامات بالفساد لأطراف حكومية أنباء مفزعة لأهل الكويت، وتمس كرامة الوطن وأمواله العامة ومستقبل أجياله، وتشكل أكبر إهانة لنا إن تجاوزنا عنها وتساهلنا مع مرتكبيها، لذا أدعو الجهات القانونية والرقابية لتولي مسؤوليتها التاريخية والتحقق منها والتحقيق مع أصحابها".

ومن جهته، أكد النائب "عبدالله فهاد" أن "ما يثار من اتهامات وشبهات في صندوق الجيش خطير بحق الأمة ويمس أموالها العامة ومستقبل أجيالها، وجريمة كبرى إذا جرى التجاوز عنها، وأمام النيابة وهيئة مكافحة الفساد وديوان المحاسبة مسؤولية تاريخية ووطنية بالتحقيق فيها بشفافية".

أما النائب "عبدالله الكندري": "علينا الإعلان عن محاربة الفساد وحماية المال العام، وأن نبدأ بأصحاب (بشوت الصف الأول) وإن كان المسؤولون عن الجهات الرقابية عاجزين عن كشف تلك التجاوزات الخطيرة على المال العام، فعليهم التنحي وتركها لمن يستطيع مواجهة الفساد".

أما في الإمارات، فكيف تعاملت أبوظبي مع اتهامات الفساد في القوات المسلحة؟

في أكتوبر الماضي، انتشر الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي عن اعتقال السلطات في أبوظبي ضابطاً في قواتها، على خلفية كشفه قضايا فساد كبيرة داخل الجيش، هو العقيد محمد سعيد الزعابي.

وقبيل اعتقال الضابط، قام بتسجيل مادة صوتية كشف فيها عن أسباب اعتقال والده العقيد الدكتور سعيد الزعابي (رئيس سابق لدائرة الأشغال العامة بالجيش الإماراتي)، مؤكداً أن التسجيل الصوتي سينشر في حال اعتقاله هو أيضاً، وهو ما يرجح حدوث ذلك، بعدما انتشر ذلك التسجيل.

ووفقاً لمقدمة التسجيل، قال الزعابي إنه متوجه إلى "برزة قصر البحر"، في محاولة منه للقاء ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وكشف ما يحدث من فساد داخل الجيش الإماراتي، لكن على ما يبدو أنه فقد اعتقل قبل ذلك.

وأضاف: "أنا سأقوم بتسجيل هذه المعلومات، وفي حال تم اعتقالي أو تم إخفائي، سينتشر هذا المقطع المسجل مباشرة ليعرف الجميع سبب هذا الاعتقال".

وبحسب "تقرير الثابت والمتحول 2015" الصادر عن مركز الخليج لأبحاث التنمية، فإنه لا توجد في الإمارات جهةٌ مستقلة كلّياً يمكن أن تنشرَ مُعدّلات الشّفافيّة والفساد بنزاهة.

ومن مظاهر الفساد، وفق التقرير، استغلال المنصب والنّفوذ عبر العقود الخاصة مع مؤسّساتٍ حكوميّةٍ، وبخاصةٍ في قطاعات الإسكان والشّرطة والقوّات المسلّحة، وعقود المُشتريّات والتوريد وغيرها.

وما يتناقله بعض المستثمرين ورجال الأعمال من قضايا فساد؛ تُشير إلى وجود عمليّات فساد واحتيال غير موثقة، فيما يُعرف بـ "الفساد الكبير"، وهو المتعلّق بالنّفوذ السّياسي الممزوج بالاقتصادي، وخاصة فيما يخصّ أموال النفط وصفقات السلاح والأراضي، بحسب التقرير.

ولاحظ مراقبون، أن وزارة الدفاع في أبوظبي أعلنت بعد هذا الملف في الكويت، إتمام التعاقد مع شركة «لوكهيد مارتن» لشراء وتركيب معدات على طائرات «إف 16» بقيمة 76 مليوناً و11 ألفاً و313 درهماً.

وقد تساءل المراقبون، عن سبب ذكر هذا المبلغ بهذه الدقة، مؤكدين أن محاربة الفساد لا تتعلق فقط بإعلان مبالغ البيع والشراء، وإنما ترتبط بعملية كاملة بدءا من تحديد الاحتياجات حتى تقديم العطاءات المختلفة وتقديم الأسعار وفرز المتقدمين بالعطاءات ودراسة عروضهم ومفاضلتها واختيار الأنسب منها، حتى إكمال هذه العملية متضمنة شروط التسليم والصيانة والتأمين وكل ما هو مرتبط بعملية بيع وشراء نزيهة.

 ما هو الدرس الكويتي في التعامل مع العرائض والاستجابة لها؟

أما على مستوى التعامل مع العرائض، فقد قدم مئات الناشطين والأكاديميين الكويتيين رسالة إلى أمير الكويت، طالبت فيها بإطلاق سراح محكومي رأي متهمين بالإساءة شخصيا لأمير الكويت. فما كان منه إلا أن أصدر عفوا أميريا عنهم وأطلق سراحهم، في إعلاء شأن وقيمة الرأي العام وتقديرا لجمهور الكويت عموما، وللمثقفين والأكاديميين خصوصا.

ولكن، كيف تتعامل أبوظبي مع العرائض؟

في الثالث من مارس 2011 وجه عشرات المثقفين الإماراتيين عريضة صيغت بلطف إلى رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد، طالبت بتعزيز استقلال القضاء وعدم إقصاء أي مواطن من حق الترشح والانتخاب للمجلس الوطني الاتحادي.

ولكن جهاز الأمن، تعامل بعنف مفرط وانتقام غير مسبوق، إذ اعتقل معظم الموقعين على العريضة بزعم السعي "لانقلاب الحكم" وتم معاقبة الموقعين بالسجن من 15 -10 – 7 أعوام، وسط استنكار شعبي وحقوقي دولي واسعين.

أما المجلس الوطني الاتحادي، وعلى خلاف دور وموقف البرلمان الكويتي، في ملف الفساد وفي التعامل مع العرائض، فإنه مجلس مغيب تماما عن محاربة الفساد ليس فقط في القوات المسلحة وإنما في أي مؤسسة أخرى مهما دنت. ولا يمتلك المجلس الوطني أي فرصة أو جرأة على الاستماع لشكاوي ذوي معتقلي الرأي مثلا، الموقعين على عريضة الثالث من مارس، ولا يستطيع حتى الإشارة إليها: مدحا أو ذما!

وإزاء كل ذلك، يقول، مراقبون إنه مهما بلغت الأزمة شدة وتعقيدا، فإنه في ظل وجود دستور يحترمه الجميع وبرلمان منتخب وقضاء مستقل، وحاكم يرعى التوازن بين السلطات في ظل دولة القانون والمؤسسات، فإنه لا خوف على استقرار الدولة ولا مبرر للخوف من محاربة الفساد والفاسدين، على حد تقديرهم! فهل من مستوعب للدروس الكويتية في الخليج والوطن العربي برمته، الذي لا تزال تشهد شوارع عواصمه الاحتجاجات العارمة ضد الفساد؟!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 21-11-2019

مواضيع ذات صلة