الموجة الثانية من الربيع العربي تحارب الفساد.. فهل توفرت الظروف في الإمارات؟!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 28-10-2019

أجمع العشرات من المحللين وخبراء السياسة المحليين والعالميين من أن الحرب على الفساد هي ما يميز الموجة الثانية من الربيع العربي الراهنة والتي أسقطت بالفعل زعماء ورؤساء دول ومسؤولين عسكريين وأمنيين كبارا في الجزائر والسودان، وعلى ذات الطريق: العراق ولبنان، بل واستنهضت محاربة الفساد الشعب المصري ضد جرائم نظام الانقلاب العسكري بعد سنوات من الركود. ولكن، ما هو الحال في الإمارات، وهل يوجد في الدولة فسادا مثل الدول الأخرى، يحرك الإماراتيين للتصدي له، وهل لدى الإماراتيين "محمد علي" آخر يكشف الفساد؟!

 من هو محمد علي ومن هو النسخة الإماراتية منه؟

محمد علي هو مقاول مصري وفنان، كان حتى وقت قريب أحد البطانة الفاسدة للسيسي وجيشه، إلى أن قرر أن ينحاز لشعبه ودولته بمفهومها الشامل، ويفضح فساد السيسي والجيش. وبالفعل، استطاع المقاول والفنان من إخراج مظاهرات كبيرة مؤخرا بعد سنوات من الرعب والخوف الذي بثه نظام السيسي.

في الإمارات، الداعم الأكبر لنظام الانقلاب، خرج ضابطا إماراتيا مؤخرا في تسجيل صوتي كشف عن بعض الوقائع المنسوبة للقوات المسلحة.  

ففي 17 أكتوبر الجاري، انتشر الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي عن اعتقال السلطات في أبوظبي ضابطاً في قواتها، على خلفية كشفه قضايا فساد كبيرة داخل الجيش، هو العقيد محمد سعيد الزعابي.

وقبيل اعتقال الضابط، قام بتسجيل مادة صوتية كشف فيها عن أسباب اعتقال والده العقيد الدكتور سعيد الزعابي (رئيس سابق لدائرة الأشغال العامة بالجيش الإماراتي)، مؤكداً أن التسجيل الصوتي سينشر في حال اعتقاله هو أيضاً، وهو ما يرجح حدوث ذلك، بعدما انتشر ذلك التسجيل.

ووفقاً لمقدمة التسجيل، قال الزعابي إنه متوجه إلى "برزة قصر البحر"، في محاولة منه للقاء ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وكشف ما يحدث من فساد داخل الجيش الإماراتي، لكن على ما يبدو أنه فقد اعتقل قبل ذلك.

وأضاف: "أنا سأقوم بتسجيل هذه المعلومات، وفي حال تم اعتقالي أو تم إخفائي، سينتشر هذا المقطع المسجل مباشرة ليعرف الجميع سبب هذا الاعتقال".

ولكن، هل هناك فساد في قواتنا المسلحة؟

بصورة عامة هناك العديد من حالات الفساد في مختلف المؤسسات المحلية والاتحادية، وقد تم التصدي لعدد منها، غير أن خصوصية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تتطلب التركيز في هذه الوقفة، على الأقل.

وبصفة عامة أيضا، لدينا في الإمارات "ديوان المحاسبة"، ولكن مهامه وصلاحياته الدستورية تقتصر على بعض المؤسسات الاتحادية ولا يستطيع الرقابة على المؤسسات المحلية وهي التي يقول المراقبون إنها تشمل خروقات واسعة من الفساد وعدم الشفافية.

ومنذ 2011، يكرر حارب العميمي رئيس ديوان المحاسبة، تصريحات للصحافة المحلية عن وجود قضايا بمليار درهم فساد، وأنه تم استرداد 200 مليون درهم، ويسكت!

ولكن، في الواقع وبحسب التقارير الدولية والإقليمية المستقلة، فإن رصد الفساد قد بلغ مراحل متقدمة. وبحسب "تقرير الثابت والمتحول 2015" الصادر عن مركز الخليج لأبحاث التنمية، فإنه لا توجد في الإمارات جهةٌ مستقلة كلّياً يمكن أن تنشرَ مُعدّلات الشّفافيّة والفساد بنزاهة.

ومن مظاهر الفساد، وفق التقرير، استغلال المنصب والنّفوذ عبر العقود الخاصة مع مؤسّساتٍ حكوميّةٍ، وبخاصةٍ في قطاعات الإسكان والشّرطة والقوّات المسلّحة، وعقود المُشتريّات والتوريد وغيرها.

وما يتناقله بعض المستثمرين ورجال الأعمال من قضايا فساد؛ تُشير إلى وجود عمليّات فساد واحتيال غير موثقة، فيما يُعرف بـ "الفساد الكبير"، وهو المتعلّق بالنّفوذ السّياسي الممزوج بالاقتصادي، وخاصة فيما يخصّ أموال النفط وصفقات السلاح والأراضي، بحسب التقرير.

ومن جهته، نشر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام ، تقريراً حول الإنفاق العسكري في دول الشرق الأوسط في عام 2016 مبيناً أن عدداً من البيانات العسكرية الخاصة بالانفاق العسكري لم تكن متوافرة في عديد من البلدان (بما في ذلك الإمارات التي كانت ثاني أعلى منفق عسكري في الشرق الأوسط في عام 2014).

وأكد المعهد، أنه من الصعب معرفة ما إذا كانت بيانات الإنفاق العسكري دقيقة وكاملة، فقد يكون هناك معلومات مخفية أو قدمت بطريقة من الصعب أن نفهمها، وأن الشفافية الحكومية بالنسبة للإنفاق العسكري في الإمارات تكاد تكون معدومة، إذ لا تصدر الإمارات بيانات علنية حول إنفاقها العسكري.

وتابع المعهد، البيانات متاحة في ميزانية وزارة الدفاع. ومع ذلك، فإنَّ وزارة الدفاع لديها وظائف إدارية فقط وحساباتها تمثل نسبة صغيرة فقط من إجمالي الإنفاق العسكري. وخلص إلى إنَّ الإنفاق العسكري الحالي للإمارات غامض.

فحتى عام 2014، قدمت تقارير صندوق النقد الدولي أرقاماً عن الإنفاق على «خدمات أبوظبي الاتحادية»، والتي تشير إلى التمويل الحكومي من إمارة أبوظبي الذي وصفه صندوق النقد الدولي بأنَّه لأغراض عسكرية وأمنية بشكل أساسي.

وفي صعيد متصل، أصدر الشيخ خليفة المرسوم بقانون اتحادي رقم 24 لسنة 2018 بتعديل بعض أحكام القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 1987. والقانون وسع الموضوعات التي تعتبر سرا من أسرار الدفاع عن الدولة، لتشمل "المعلومات العسكرية والسياسية والاقتصادية والصناعية والعلمية والأمنية والمتعلقة بالأمن الاجتماعي أو غيرها بالمعلومات التي لا يعلمها بحكم طبيعتها إلا الأشخاص الذين لهم صفة في ذلك والتي تقتضي مصلحة الدولة أن تبقى سراً على من عداهم». وكذلك أخبار القوات المسلحة و وزارة الداخلية والأمن وتشكيلاته.

وقد اعتبر مراقبون أن هذا التعديل يشكل تغولا فائقا لجهاز الأمن وحساسية الدولة المفرطة إزاء الباحثين والمفكرين وأية معلومات قد تحدد هي أنها "سرية" أم غير سرية، وما يعني ذلك من انعكاسات خطيرة تمس بالحريات في الدولة وتغطي على حالات الفساد.

ما هي العلاقة بين الربيع العربي ومحاربة الفساد؟

قال الصحافي «جان مارك فور» على موقع «فرانس إنتر» الفرنسي، والذي تناول فيه أوجه الاختلاف بين ثورات الربيع العربي في موجتها الأولى عام 2011، وما يجري حاليًا في البلاد العربية من احتجاجات ومظاهرات.

ويرى الكاتب أن "هناك دافعًا واحدًا أثقل كاهل الجميع يقف وراء كل هذه الاحتجاجات، إنه الفساد الذي أصبح لا يطاق في أعين المتظاهرين، وهذا هو الدافع الذي يوحد لبنان، رُغم اختلاف الطوائف والولاءات الحزبية".

وتابع الكاتب: إن "سبب الاحتجاجات في لبنان هو نفسه في العراق، حيث كان الشعار الرئيس للمتظاهرين هو "رحيل الفاسدين". وتشير الأرقام الرسمية إلى اختلاس أكثر من 400 مليار دولار من الأموال العامة العراقية".

وأردف الكاتب، "هذا الفساد أيضًا هو سبب وجود الجزائريين في الشارع مُنذ أشهر مرددين هتافات ضد "اللصوص". فهناك شعور بأن "النخبة الفاسدة تمتطي ظهور الشعب الفقير. وأيضًا نفس الشيء في مصر، برغم ما تفعله السلطات لمنع هذه الاحتجاجات بكل الطرق".

أما في تونس فهناك تعبير عن محاربة الفساد عبر صورة أخرى، حيث فاز المرشح المغمور "قيس سعيد" بالانتخابات الرئاسية ممثلًا صورة "الرجل النظيف" في ذهن الشعب التونسي.

ويذكر الكاتب أن "هذه المرة لا يوجه الغضب ضد مسؤول بعينه، بل تشمل المطالب تغيير النظام السياسي كاملا. فالجزائريون هم أول من طالبوا بذلك وما زالوا مصرين على طلبهم. فهم ينتقدون «النظام»، الذي يتحكم الجيش وجبهة التحرير الوطني من خلاله في مناصب السلطة عبر أحزاب هزلية تقدم أدوارًا هامشية".

وتابع الكاتب الفرنسي "وبالنظر إلى هرم أعمار المسؤولين في العالم العربي، فإن التطور سريع للغاية. فهؤلاء الشباب يرفضون المجتمع المتجمد والأحزاب الصدئة، كما يرفضون موت السياسة في بلادهم".

وفي صحيفة "واشنطن بوست"، قال الكاتب فريد زكريا معلقا على الاحتجاجات التي تعم العالم العربي وغيره مثل "هونغ كونغ": إن الاحتجاجات السياسية تنتج عن مزيج غريب من العوامل، مثل التوقعات البطيئة وتزايد اللامساواة والفساد المستمر والشعور العميق بالإحباط.

ومن جهته، قال الكاتب ألين غابون في مقال نشره موقع "ميدل إيست آي": الربيع العربي لم ينته ولكنه يكبر، وللشعوب العربية مطالب بنيل حقوقها السياسية وتسعى لوضع حد للقمع والإذلال وليس فقط لنيل حقوقها الاقتصادية ومكافحة الفساد. وينتقد الغرب على عدم مساندته هذه الشعوب في مطالبها الديمقراطية.

وقالت صحيفة "فايننشال تايمز": احتجاجات لبنان كانت مثال آخر على الغضب الشديد الذي اجتاح العالم العربي، الذي تشرف فيه النخب الحاكمة على أنظمة سياسية فاسدة تفشل في توفير الاحتياجات الاقتصادية الأساسية. مشيرة أنه اختلف توقيت الاحتجاجات ولكل دولة ظروفها الخاصة. لكن أسباب الغضب متشابهة، وهي: فشل القادة في تحقيق تطلعات الشباب وتفشي الفساد.

فهل يمكن أن يكون للإماراتيين كلمتهم في هذا المجال؟!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 28-10-2019

مواضيع ذات صلة