بين البلاغات والمبالغات.. هل حقا، سياسات أبوظبي تستهدف الإسلام الوسطي والربيع العربي؟

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 17-10-2019

ألقى النائب الكويتي السابق، مبارك الدويلة، حجرا ثقيلا في مياه أبوظبي الآسنة، في ديسمبر 2014، عندما وجه تساؤلا استنكاريا، تمثل بقوله: "لا أفهم لماذا يعادي محمد بن زايد الإسلام السني؟". الإجابة التي تلقاها الدويلة كانت حكما باتا من محكمة أمن الدولة في أبوظبي بالسجن 5 سنوات، مع نفي النائب العام السابق للإمارات سالم سعيد كبيش أن أبوظبي تعادي الإسلام السني. ومع ذلك، لا يزال الجدل محتدما بين من يؤكد وجاهة تساؤل الدويلة وبين من يعتقد أنه تلفظ اتهامات تنطوي على مبالغة تستهدف الإساءة للإمارات. فهل هناك بلاغات حقيقة أم وهم المبالغات هو الذي يدفع لاتهام أبوظبي بهذه السياسات؟

ما هي البلاغات الخاصة في سياسات أبوظبي نحو الإسلام الوسطي؟

يقول مراقبون إن أبوظبي أسست عام 2014 "مجلس حكماء المسلمين"، ومركز "هداية"، فضلا عن رعاية عشرات المراكز البحثية في الوطن العربي بهدف ضرب رواية الإسلام الوسطي، وتقديم رواية خاصة للدين، تقوم على توظيف أبوظبي النصوص الدينية وفق مصالحها السياسية من جهة، وتنسف النصوص التي تعارض توجهاتها وأجندتها في المنطقة من جهة ثانية. وقد بشرت أبوظبي أكثر من مرة بوجود أجندة ورؤية خاصة بها للمنطقة، اعتمادا على ما تصفه بـ"محاربة التطرف والإرهاب"، والذي تقصد فيه تحديدا الجماعات الإسلامية السنية غير المتورطة بالعنف، بحسب المراقبين.

لذلك، رعت أبوظبي مؤتمر غروزني، مثلا، إضافة إلى استضافة عشرات الفعاليات في الإمارات في هذا السياق، مع التذكير بقضية يونس قنديل التي حاول قبل عام نسف الاستقرار في الأردن لصالح أبوظبي، بحسب الاتهامات.

وخروجا من السرد، إلى الوقائع، اعتبرت أسبوعية ‘‘لوبوان’’ الفرنسية في تقرير بعنوان: ‘‘محمد بن زايد قائد جديد للشرق الأوسط’’، أنه المحاور المفضل لدى البيت الأبيض، ويعيد تشكيل العالم العربي، ومن الجزائر إلى إيران، يضع بصماته على جميع الأزمات التي تهز المنطقة.

وأوضحت ‘‘لوبوان’’ أنّ "منظور محمد بن زايد المعادي للإسلام السياسي، يحدد بشكل كامل سياسته الخارجية، التي كانت هجومية بشكل كبير منذ الربيع العربي عام 2011"، وفق الصحيفة الفرنسية التي شاءت أن تقرن موقف أبوظبي من الإسلام السياسي بالربيع العربي، وهو ربط منطقي إلى حد بعيد، لا يظهر فقط التزامن في سياسات أبوظبي وإنما السببية الموثقة بين الإسلام الوسطي الذي يقول أنصاره إنه: يمثل خيار الشعوب، وبين الربيع العربي.

وتقدم "لوبوان" عددا من البلاغات بشأن مزاعمها، قائلة: في مصر، ذهب محمد بن زايد وبترودولارته لإنقاذ المارشال عبد الفتاح السيسي بعد انقلابه على الرئيس محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الاخوان المسلمين. 

وفي ليبيا، قدم الدعم المالي العسكري للمارشال خليفة حفتر ضد قوات، بما في ذلك بعض الإسلاميين ، الحكومة الشرعية المعترف من قبل الأمم المتحدة. 

وفي الجزائر، يتمتع محمد بن زايد بعلاقات وثيقة مع رئيس أركان الجيش، الجنرال أحمد قايد صالح، الذي يطالب المتظاهرون برحيله. 

وفي السودان، دعم ولي عهد أبو ظبي بالمال المجلس العسكري الانتقالي بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان في مواجهة الانتفاضة الشعبية. لكن هذا الشيك على بياض للجنرالات العرب سمح لهم بالقيام بقمع دموي لجميع أشكال الاحتجاج. 

وتخلص الصحيفة زاعمة: "بذلك فإن محمد بن زايد فرض نفسه ‘‘مهندساً للثورات المضادة في العالم العربي وتثبيت حكم العسكر’’.

أما الباحث، آندرياس كريغ، الاستاذ في ‘‘كينغز كوليج’’ بلندن، فقد كتب مؤخرا تقريرا موسعا تضمن عددا من البلاغات حول سلوك أبوظبي في المنطقة والعالم في سياق ما اعتبره استهداف الإسلام الوسطي.

وزعم الكاتب وجود خطة إماراتية لتخويف الغرب من الإسلاميين عبر نشر أساطير في أوساط اليمين المتطرف تتحدث عن الخطر الإسلامي والغزو العربي لأوروبا، وتحدث عن الدعم الإماراتي المالي لأحزاب اليمين المتطرف في الغرب.

وأشار الباحث، إلى مركز أبحاث «عين أوروبية على التطرف» (EER)، وهو واجهة يمولها علي راشد النعيمي، ضابط مخابرات إماراتي سابق، والرئيس التنفيذي لـ «مركز هداية» الذي يقع مقره في أبوظبي، وأحد المقربين من محمد بن زايد.

وزعم الباحث، منذ اشتعل الربيع العربي، كان مسؤولو الإمارات في طليعة من استعملوا سردية «معاداة النزعة الإسلامية» و «مكافحة الإرهاب» وسيلةً لقمع المجتمع المدني في داخل الإمارات وفي جميع أنحاء المنطقة. ولتيسير هذه الجهود أقاموا شراكات مع حلفاء مشبوهين في الغرب، ليس أقلهم: جماعات يمينية تستمد دخولها وتعيش على تأجيج المخاوف من الإسلاميين.

وتعتمد هذه المجموعات على الترويج لنظريات مؤامرة شاذة وخطيرة، مثل أسطورة «عروبا» (Eurabia) [أي غزو العرب لأوروبا، وأسلمتها].

وبشكل محدد، يقول الباحث: في فرنسا، تلقى حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف مؤخراً، دعماً مالياً لحملاته بقيمة 8 ملايين يورو، من مصدر مشبوه في أبوظبي.

وخلص الكاتب، قائلا: إن أبوظبي تحاول الخلط بين داعش والإسلاميين المنتخبين ديمقراطياً. وتريد الادعاء بأن «جماعة الإخوان المسلمين» متعددة الأقطاب ذات الأطياف المتعددة، والتي فازت بأغلبية في الانتخابات الحرة والنزيهة الوحيدة التي شهدتها مصر في عام 2012، هي نفسها جزء من تنظيم القاعدة. 

ما هي البلاغات الخاصة في سياسات أبوظبي نحو الربيع العربي؟

إذا كان من الممكن التقسيم لأسباب العرض، بين الإسلام الوسطي والربيع العربي، فإن ذلك متعذر موضوعيا ومنهجيا لقوة العلاقة بينهما، كون الإسلام الوسطي والربيع العربي هما الوجهان المشرفان للأمة وخلاصها، والإسلام الوسطي يمثل الجانب النظري من التغيير فيما يشكل الربيع العربي الجانب الفيزيائي من هذا التغيير، بحسب ناشطين.

على أية حال، رصد ناشطون ومراقبون خلال الأيام القليلة الماضية فقط، عددا من البلاغات حول استهداف أبوظبي للربيع العربي.

فقد حذر القطب البارز في الحراك الشعبي الأردني، الشيخ محمد خلف الحديد، من “ضباط أمن سريين” من الإمارات والسعودية حضروا إلى الأردن مؤخرا للاطلاع على الأوضاع بعد حراك المعلمين.

ووصف الحديد هؤلاء بأنهم عناصر أمنية تأزيمية و”همل”، محذرا من أن يسمح لأبوظبي والرياض بالتنظير أمنيا على الشعب الأردني كما فعلوا تماما مع الشعب المصري فأفسدوا كل شيء، على حد قوله.

وبالتزامن، أيضا، اتهم وزير الخارجية التونسية الأسبق، رفيق عبد السلام الإمارات بأنها "عراب الثورات المضادة ومشاريع الخراب في المنطقة العربية".

وزعم عبد السلام في تدوينة نشرها على صفحته في "الفايسبوك" أن أبوظبي هي من تكفلت بدفع مليون دولار لشركة علاقات عامة أمريكية لتحسين صورة المرشح للرئاسيات التونسية نبيل القروي.

وأضاف زاعما: "الجهة للتي تكفلت بدفع هذا المبلغ هي أبوظبي، عراب الثورات المضادة ومشاريع الخراب التي ضربت، ومازالت تضرب المنطقة في أكثر من موقع في سوريا واليمن وليبيا ومصر وغيرها، وهي نفسها التي تكفلت قبل ذلك بدفع مثل هذه المبالغ نيابة عن حلفائها في العالم العربي من حفتر الى حميدتي الى انفصاليي اليمن الجنوبي، الى القروي".

وفي سبتمبر الماضي، انتقد وزير الخارجية اليمني، "محمد عبدالله الحضرمي" في كلمته أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، ما وصفه "دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، وتوجيه سلاح الجو الإماراتي ضربات مباشرة إلى قوات الجيش اليمني في عدن".

ومن جهته، وفي ذات الوقت والمكان (سبتمبر والأمم المتحدة)، استنكر رئيس المجلس الرئاسي في ليبيا فايز السراج ما تقدمه الإمارات من دعم مباشر لمن وصفه بمجرم الحرب واللواء المتمرد خليفة حفتر.

وانتقد السراج دور الإمارات التي "سمحت لنفسها بأن تكون منصة إعلامية للمليشيات"، على حد قوله.

وفي ساحة أخرى، اتهم رئيس حزب دولة القانون والتنمية السوداني محمد علي الجزولي أبوظبي باستنساخ تجربة المجلس الانتقالي اليمني في السودان.

وقال الجزولي -عبر حسابه في تويتر- إن مسيرات خرجت في شرق السودان تطالب بالانفصال عقب تحركات زعيم قبلي تدعمه الإمارات هناك.

وتساءل رئيس الحزب السوداني عماذا تدبر الإمارات في شرق السودان، وهل يدرك عملاؤها في الخرطوم ذلك؟

وأضاف "هل ستعيد الإمارات المشهد اليمني في السودان حيث تدعم الشرعية الثورية في الخرطوم، وتعمل ضدها في الشرق وجنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وتتقاسم الأدوار مع الموالين لها هنا وهناك؟".

هل نحن أمام مبالغات أم بلاغات؟

عادة، ترفض أبوظبي التعليق على هذه التقارير، ولكن بصفة عامة، يقول وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش: هناك من يستهدف دور الإمارات في المنطقة بهدف تشويهه والإساءة إليه، مشيرا أن الإمارات تسعى لتحقيق نهضة لدول المنطقة وشعوبها، على حد تقديره، وهو ما يرفضه المراقبون والناشطون ويعتبرون كل سياسات أبوظبي إنما تستهدف مطالب الشعوب العربية وأن الأمر لا يتطلب نفي أو تأكيد من أي جهة، فالحقائق تتحدث عن نفسها، وليست بحاجة إلى مناظرات ومطارحات، لنعرف إن كنا أمام: بلاغات أم مبالغات، على حد تعبيرهم.

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 17-10-2019

مواضيع ذات صلة