سوريا واليمن وليبيا.. "نبع السلام" و "إعادة الأمل" و"الكرامة" عندما تتحاور الأطراف بالحروب!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 13-10-2019

المشهد في المنطقة أكثر من "سوريالي"، حيث التداخل والتعقيد وبلوغ الصراع فيها بين أطرافها حدودا غير مسبوقة من التوتر والصدام والحروب المباشرة أو حتى بالوكالة، وأكبر من يدفع ثمن هذا الواقع هو الشعوب العربية. السعودية والإمارات شنتا حربا على اليمن منذ 5 سنوات، وتركيا تعبر إلى الأراضي السورية منذ 5 أيام، والطرفان يتواجدان في ليبيا منذ سنوات. ورغم التشابه الكبير بين تبريرات هذه الأطراف لإطلاق عمليات عسكرية في هذه البلدان، إلا أن أنقرة وأبوظبي تواصلان الحوار عبر رفض أو تأييد هذه الحروب.

ما هي تبريرات الأطراف المختلفة في شن الحروب؟

في مارس 2015 شنت السعودية والإمارات ومعهما عدة دول عربية ضد الحوثيين في اليمن حربا تحت اسم "إعادة الأمل"، وكان المبرر الرئيس لانطلاق هذه الحرب هو حماية الأمن القومي السعودي والخليجي والعربي وحرمان الحوثيين من أرض تشكل قاعدة متقدمة لإيران في الخليج. وقد لاقى هذا التبرير تفهما كبيرا من معظم دول العالم بمن فيهم تركيا.

وفي أكتوبر الجاري أطلقت تركيا عملية عسكرية تحت اسم "نبع السلام"، بمبرر حماية الأمن القومي التركي وحرمان الأكراد من تشكيل جيوب انفصالية تهدد الأمن التركي، إضافة إلى إنشاء منطقة آمنة يعود إليها ملايين اللاجئين السوريين. ومع أن عملية عسكرية شبيهة قادتها أنقرة في سوريا عام 2016، وحظيت بدعم وتفهم سعودي، إلا أن "نبع السلام" واجهت معارضة سعودية شديدة.

وفي ليبيا، أطلق مجرم الحرب خليفة حفتر منذ 2014 ما أسماها "عملية الكرامة"، بدعم إماراتي ومصري يعترف فيه حفتر بنفسه، ووثقته الأمم المتحدة وتقارير مجلس الأمن الدولي. وفي أبريل من العام الجاري وقع أحدث اشتباك بالوكالة بين تركيا والإمارات، عندما هاجم حفتر طرابلس، ولكنه فشل حتى الآن في تحقيق أي تقدم عسكري. ومع ذلك، الحملة العسكرية على طرابلس مستمرة، والمُسيرات التركية والإماراتية تشتبك بمعارك شبه يومية في هذا البلد. حفتر أيضا برر عمليته الدموية بأنها لحفظ الأمن ومحاربة الإرهاب، كما تم تبرير "إعادة الأمل" و"نبع السلام"، أيضا بهذا الأمر.

إذن، "نبع السلام" ليست بداية الخصومة والتوتر بين أبوظبي وأنقرة، بل سبقها تاريخ من الصدام في عدد من الدول والساحات، بما فيها الساحة التي تشن فيها تركيا عمليتها العسكرية الحالية. فخلال العام الماضي، وبعد اغتيال خاشقجي، بدأت السعودية تتخذ مواقف معادية علنية وسرية من تركيا.

وكان للرياض وأبوظبي دور في دعم المليشيات الكردية التي تعتبرها أنقرة "إرهابية" وذلك من خلال ما قالته المخابرات التركية والإعلام التركي من رصد تحركات سعودية وإماراتية في هذه المناطق دعما للأكراد ونكاية بتركيا، مثلما وطدت  السعودية والإمارات ومصر علاقاتهم مع قبرص اليونانية مؤخرا، وذلك في سياق الحرب الباردة بين هذه الأطراف.

مراقبون، اعتبروا أن الحمية التي أصابت الإمارات والسعودية ضد "نبع السلام"، كونها تستهدف ذراعا كرديا انفصاليا لم يمانع أن يرهن بندقيته للمحور الخليجي ضد تركيا، لذلك جاء رد الفعل السعودي والإماراتي صاخبا هذه المرة.

ما هي ردود فعل الأطراف المختلفة إزاء حروبها؟

الخلاف بين تركيا والسعودية والإمارات انعكس مباشرة على مواقف هذه الدول من مختلف القضايا والملفات التي تعني كل طرف.

أنقرة التي تعتبر أنها تعرضت لإهانة دبلوماسية كبيرة جراء اغتيال محمد بن سلمان وفريقه للصحفي الأعزل جمال خاشقجي على أراضيها، أخذت مؤخرا تتبنى التقارير الحقوقية والإنسانية الأممية والعالمية التي تؤكد وقوع أكبر كارثة إنسانية في هذا القرن في اليمن بسبب "إعادة الأمل".

وكان الموقف الأكثر وضوحا، ما علق به الرئيس أردوغان على هجوم الحوثيين على "أرامكو" في سبتمبر الماضي، عندما قال: "يجب أن تبدأ اليمن في إعادة البناء (الدولة) بأسرع ما يمكن، فهي غير قادرة على الوقوف على أقدامها. ما الذي يمكن أن تفعله الدول المتقدمة لليمن وسوريا؟..، ولكن للأسف، يحارب المسلمون الآن المسلمين. لنتذكر من كان أول من قصف اليمن؟ وسوف نرى من أين بدأت (الكارثة)".

ولم يمض شهر على تصريحات أردوغان، حتى انطلقت عملية "نبع السلام"، فجاء الانتقام السعودي والإماراتي مضاعفا.

فإلى جانب اعتبار الرياض أن العملية العسكرية التركية "عدوانا" على دولة عربية، قال بيان صادر عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي في أبوظبي: " العدوان يمثل تطوراً خطيراً واعتداءً صارخاً غير مقبول على سيادة دولة عربية شقيقة بما يتنافى مع قواعد القانون الدولي، ويمثل تدخلاً صارخا في الشأن العربي".

وأكد البيان "موقف دولة الإمارات الثابت والرافض لكل ما يمس سيادة الأمن القومي العربي ويهدد الأمن والسلم الدوليين"، محذرا من "تبعات هذه العدوان على وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية ومسار العملية السياسية فيها"، على حد تعبيرها.

وعلى عجل، يقول مراقبون، دفعت الرياض وأبوظبي الجامعة العربية لعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب لبحث "العدوان التركي"، وهي الجامعة التي تكون آخر من يتحرك عندما يتعلق الأمر بالقدس وفلسطين.

وشن وزراء خارجية الإمارات والسعودية ومصر انتقادات لاذعة ضد تركيا، حتى صدر بيان رسمي ندد بشدة بأنقرة. إذ طالب البيان، تركيا بوقف ما وصفه بالعدوان، والانسحاب الفوري وغير المشروط من كافة الأراضي السورية. 

وقرر المجلس الوزاري النظر في اتخاذ إجراءات عاجلة للرد على الخطوة التركية بما في ذلك خفض العلاقات الدبلوماسية ووقف التعاون العسكري ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياحية مع أنقرة.

وكان أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، كان قد وصف العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا ، بأنها: ”غزو لأراضي دولة عربية وعدوان على سيادتها“. هذا الموقف لأبو الغيط يختلف تماما، عندما استذكر ناشطون موقفه من العداون الإسرائيلي المدمر على غزة شتاء 2008-2009، إذ برر العدوان بأنه تم تحذير حماس من إطلاق صواريخ على إسرائيل.

بماذا ردت تركيا على الجامعة العربية؟

بعد ساعات من بيان الجامعة العربية، شنت تركيا، هجوماً على الجامعة. وقال رئيس مكتب الاتصال في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطون، إن بلاده تدين بـ"أشد العبارات" ما تضمنه بيان جامعة الدول العربية من وصف لعملية "نبع السلام" التي تنفذها تركيا على عدة مناطق شمال شرق سوريا بـ"الاحتلال"، وفقا لما ذكرته وكالة الأناضول الرسمية التركية.

وأضاف "ألطون" قائلاً: إن الدول التي شاركت في البيان غير مرتاحة "من دفاع تركيا عن حقوق الشعب الفلسطيني، واعتراضها على الصفقات التي تستهدف القدس، ومعارضتها للانقلابات العسكرية والجرائم المرتكبة في مناطق شتى، واستهداف المدنيين في اليمن".

وشدد على أن هذه الدول لا تمثل "العالم العربي".

بدوره قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن توجيه الأمين العام لجامعة الدول العربية اتهامات إلى أنقرة يعني أن الجامعة "شريكة في جرائم المنظمة الإرهابية"، معتبراً تلك التصريحات "خيانة للعالَم العربي"، على حد قوله.

ماذا أيضا في ردود الفعل الإماراتية الرسمية والإعلامية؟

تشن الصحافة الإماراتية الرسمية هجوما غير مسبوق ضد عملية "نبع السلام" وتنشر عناوين مثيرة عن "تمثيل في جثث" و"نهب" وسلب"، وهي ما لم توثقه أي عدسة محايدة ومستقلة ولم تتحدث به أي منظمة حقوقية دولية مستقلة أو الأمم المتحدة.

يقول مراقبون، إن النهب وتمثيل الجثث هو ما فعلته مليشيات حفتر في ليبيا ضد جثث القتلى، وقد وثقت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية ذلك، بل إن محكمة الجنايات الدولية تطالب باعتقال محمود الورفلي أحد قادة مليشيات حفتر بعد أن ظهر وهو يمثل بالجثث.

واستعاد مراقبون، ما زعمته رئيسة المجلس الوطني الاتحادي، عندما قدمت الشكر لروسيا كونها "حررت 80% من الأراضي السورية من الإرهابيين"، وهو ما خلق موجة غضب عارمة في أوساط السوريين، علما أن الأمم المتحدة أكدت ارتكاب روسيا مجازر في سوريا ضد الشعب السوري وأن نسبة استهداف المنظمات الإرهابية من جانب قوات موسكو لا يتعدى 10% من حجم القصف الروسي الذي استباح المخابز والأسواق والمستشفيات والسكان.

وبشأن اتهامات الإمارات لتركيا بارتكاب "فظائع وانتهاكات" في سوريا، قال مراقبون، لقد سبق لأنور قرقاش، في رده على تقرير للأمم المتحدة حمل التحالف العربي، الذي تشكل أبوظبي فيه القوة الثانية بعد الرياض، مسؤولية مجازر وقعت في اليمن تصل إلى جرائم حرب- أن قال: "تقرير الخبراء الْيَوْمَ لا بد لنا من مراجعته والرد على حيثياته.. الحروب تحمل في طياتها آلامها وأفغانستان والعراق وسوريا شواهد، ولكننا في خاتمة المطاف مسؤولين عن أمننا واستقرارنا وهنا أولويتنا"، على حد تعبيره.

فهل يحق لطرف عن آخر أن يسبب "الآلام" بزعم الأمن والاستقرار، ثم يبرر لنفسه ذلك وينتقد غيره؟! يتساءل ناشطون عربا وأكرادا. خاصة أن تقارير الأمم المتحدة ذكرت بالاسم كبار القادة العسكريين والسياسيين في الرياض وأبوظبي على قائمة مجرمي الحرب جراء حرب اليمن، وهو ما لم يحدث في الحالة التركية حتى الآن، في أي حرب لها!


خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 13-10-2019

مواضيع ذات صلة