محمد بن راشد في مواجهة الدولة العميقة.. معركة تستهدف ما هو أبعد من "مغردين"!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 02-09-2019

فجّر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد "قنبلة" سياسية واجتماعية كبيرة في معسكر "الدولة العميقة" بحسب الكثير من المراقبين والمحللين، عندما أثار قضية إساءات مغردين محسوبين على جهاز الأمن والحكومة، لسمعة الدولة وصورتها. فهل هذه المعركة وليدة اللحظة، أم أن لها أساس سبق أن عمل عليه حاكم دبي؟ وهل هذه المواجهة القوية تستهدف مجرد موظف أمني يمكن أن يقيله الشيخ محمد بن راشد بكل سهولة، أم أنه مس بالقشور ليصيب اللب، على حد تعبير وتساؤلات ناشطين إماراتيين؟ وهل هذه الفوضى نتيجة غياب الحريات أم أنها نتيجة فائض منها؟!

كيف اختلفت صورة الإمارات في عهد الآباء المؤسسين؟

لا أحد ينكر أو يستطيع، أن مكانة دولة الإمارات وسمعتها في وعي المواطن الخليجي والعربي والإسلامي وحتى العالمي تختلف تماما عن سمعتها والانطباعات بشأنها منذ عام 2011 فصاعدا، لجهة أن زايد وإخوانه أرسوا بالفعل دولة ذات سلوك حسن وقويم، دولة ذات سياسة خيرة في وسط يموج بالأشرار.

هذه الصورة والسياسات تم التضحية بها، بعد الربيع العربي، ليس، فقط، وفق ما يؤكده المراقبون أو توثقه المصادر العديدة، وإنما، أيضا وفق ما بات سياسة رسمية معلنة ومحمية تشريعيا في الدولة.

والمقام غني عن سرد آلاف الشواهد والسلوكيات الرسمية التي اتبعتها أبوظبي إزاء الإماراتيين في الداخل ابتداء ثم المقيمين، إلى الشعوب العربية والخليجية بلا استثناء، ما كوّن صورة لدى الرأي العام العربي عن الدولة تتعاكس تماما عما بناه الحكام المؤسسون طوال 3 عقود تقريبا.

ما هي العلاقة بين سلوك أبوظبي السياسي والتغريد؟

في دفاعه عن المغردين ضد توجيهات الشيخ محمد بن راشد، اعتبر عبدالله بن زايد أن التغريد يصب في مصلحة الدولة، دون أن يضع أي "ضوابط" للتغريد المناسب من عدمه. وهو الأمر الذي كشف أن المغردين ليسوا أكثر من أدوات ترويج لسلوك أبوظبي الفعلي، لإظهار أن السياسات الرسمية يقف خلفها "ناشطون" و"مؤثرون"، ذوو عمق شعبي عريض.

فالمغردون، إذن، ليسوا مستقلين ذاتيا، وإنما هم جزء من عملية السلوك السياسي لأبوظبي، والانتقاد الذي أبداه الشيخ محمد بن راشد لا يقتصر فقط على الجانب "الإعلامي" أو "الدعائي" لهذا السلوك، وإنما يستهدف السلوك نفسه، ولكن بطريقة غير مباشرة، بحسب تقدير مراقبين، أشاروا أن مواقف حاكم دبي تؤخذ على أنها "وجه معارضة" غير مباشرة لسياسات أبوظبي وسلوكها في المنطقة، لأن جميع المغردين والتغريدات التي أعابها نائب رئيس الدولة كانت تدعم سياسات أبوظبي في اليمن وليبيا ومصر وفلسطين، والمعروف أن هذه السياسات تصطدم تماما مع الشعوب العربية. وعندما يتحسن سلوك أبوظبي فإن التغريدات سوف تكون مختلفة والمغردون سيتحدثون عما هو حسن!

كيف وفرت أبوظبي غطاء قانونيا للمغردين المسيئين؟

الإجابة على هذا التساؤل تكشف، أيضا، بصورة مؤكدة أن المشكلة ليست في التغريد والمغردين وإنما في السياسات المتبعة، وهي التي استهدفها حاكم دبي بدرجة أساسية.

ففي يونيو 2017، صرح حمد سيف الشامسي النائب العام للدولة  بأن دولة الإمارات قد اتخذت قرارا حاسما ضد حكومة قطر نتيجة "لسياستها العدائية واللامسئولة ضد الدولة وعدد من الدول الشقيقة الخليجية والعربية ويأتي هذا القرار حفاظا على الأمن القومي للدولة ومصالحها العليا ومصالح شعبها".

وأضاف: "لذا وجب التنويه إلى أن إبداء التعاطف أو الميل أو المحاباه تجاه تلك الدولة ، أو الاعتراض على موقف دولة الامارات العربية المتحدة وما اتخذته من إجراءات صارمة وحازمة مع حكومة قطر، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتغريدات أو مشاركات، أو بأي وسيلة أخرى قولاً أو كتابة، يعد جريمة معاقبا عليها بالسجن المؤقت من 3 إلى 15 سنة  وبالغرامة التي لاتقل عن 500 الف درهم طبقاً لقانون العقوبات الاتحادي والمرسوم بقانون إتحادي بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، لما يترتب عليها من أضرار بالمصالح العليا للدولة، والوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي، فضلاً عما لتلك المماراسات من أثر في إضعاف النسيج الاجتماعي للدولة ووحدة شعبها. وستمارس النيابة العامة الاتحادية واجبها الوطني بتطبيق القانون على مرتكبي هذه الجرائم"، ختم النائب "تحذيره" و"تهديده".

إذن، فإن ضاحي خلفان الذي رد بطريقة خالية من التهذيب على توجيهات حاكم دبي، وحمد المزروعي صاحب التغريدات الأكثر بذاءة، وعبدالخالق عبدالله مروج تقسيم اليمن والدفاع عن انقلاب السيسي، وخلف الحبتور مروج التطبيع مع إسرائيل، إنما هم في الواقع ليسوا أكثر من صوت يعبر عن أبوظبي، لأنه من غير المتصور أن يخاطر هؤلاء بمخالفة "مصالح الدولة" والاعتراض على مواقف أبوظبي بتغريداتهم، وإلا كانوا خلف القضبان الآن وقد دفعوا غرامات باهظة أيضا!

بهذا القرار وغيره وفرت أبوظبي حماية جنائية للمغردين والتغريد غير المنضبط. أما غيره، فيتمثل في انعدام التعددية والتنوع والحريات في الإمارات.

تصريح النائب العام، وقوانين وتشريعات أخرى، كبتت الحريات واقتصرت فقط على أؤلئك الذين يؤيدون مواقف الدولة وسياساتها مع حظر "الاعتراض" عليها، ما سمح بوجود لون واحد من الآراء والمواقف، وهو الأمر الذي أوهم الشعوب العربية أن الإماراتيين كلهم ضاحي خلفان وحمد المزروعي، وهؤلاء مؤيدون لسلوكيات أبوظبي التي يراها قطاع واسع من هذه الشعوب بأنها "معادية" لهم!

كيف حاول حاكم دبي ضبط المغردين، وهل نجح؟

في أبريل 2017، أعلن مجلس الوزراء برئاسة محمد بن راشد، تشكيل "مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة"، والذي يهدف "لتعزيز سمعة الدولة إقليميا وعالميا وترسيخ احترامها ومحبتها بين شعوب العالم ويختص برسم السياسة العامة واستراتيجية القوة الناعمة للدولة"، بحسب ما أعلنت الحكومة.

وفي سبتمبر 2017، شهدت أعمال الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات إطلاق استراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات، على المستويين الرسمي والشعبي، وتكريس مكانتها كقوة اقتصادية وثقافية وإنسانية وحضارية، وترسيخ محبتها وسط جميع شعوب العالم، وإبراز صورتها كدولة منفتحة على كافة الثقافات والحضارات.

وقال حينها، الشيخ منصور بن زايد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة:"هدفنا ترسيخ مكانة الإمارات حول العالم وترسيخ محبة الشعوب للإمارات".

وبين أبريل 2017، وسبتمبر من ذات العام، جاء تصريح النائب العام المشار إليه في يونيو لينسف أهداف مجلس القوة الناعمة، واستراتيجية الإمارات في هذا الصدد، ما شكل تحجيما وإفشالا للمجلس برمته.

ولكن، كيف واجه محمد بن راشد هذا الوضع؟

بعد تزايد التغريدات المسيئة، وأخذت الدولة والإماراتيون يفقدون المزيد من سمعتهم ومكانتهم، كان لا بد لأن يتحرك محمد بن راشد بصورة سريعة وحاسمة.

لذلك، وجه في رسالة للإماراتيين تحذيرا مشددا بضرورة أن يتوقف هؤلاء المغردون، وأن يتوقف قبلهم المسؤول عن السياسات المسيئة التي يروج لها المغردون.

وحذر الشيخ محمد بن راشد في رسالة بمناسبة العام الهجري الجديد: "العبث والفوضى على وسائل التواصل الاجتماعي تأكل من منجزات تعبت آلاف فرق العمل من أجل بنائها".

وأكد حاكم دبي، في رسالته التي نشرها على حسابه الرسمي بموقع التغريدات القصيرة"تويتر"، أن "سمعة دولة الإمارات ليست مشاعاً لكل من يريد زيادة عدد المتابعين".

وفي إشارة منه إلى "العبث الحالي في منصات التواصل الاجتماعي" أكد حاكم دبي أن "لدينا وزارة للخارجية معنية بإدارة ملفاتنا الخارجية، والتحدث باسمنا، والتعبير عن مواقفنا في السياسة الخارجية للدولة، وإحدى مهامها الأساسية أيضاً الحفاظ على 48 عاماً من رصيد المصداقية والسمعة الطيبة".

وشدد على أنه "لن نسمح أن يعبث مجموعة من المغردين بإرث زايد الذي بناه لنا من المصداقية وحب واحترام الشعوب"، مشيراً إلى أن "صورة الإمارات والإماراتي لا بد أن تبقى ناصعة كما بناها وأرادها زايد".

ولم يكتفِ الشيخ محمد بن راشد بذلك؛ بل أعلن عقب اجتماع مجلس الوزراء بقصر الرئاسة الأحد (1|9)، توجيه المجلس الوطني للإعلام بـ "ضبط وسائل التواصل الاجتماعي ووضع معايير عالية لمن يدافع عن الوطن، تخاطب العقول وتكسب العقول، وتعزز من رصيد دولة الإمارات عربياً ودولياً".

ولكن، ما طرح تساؤلات حول إمكانية نجاح جهود حاكم دبي هذه المرة في إنقاذ سمعة الدولة على الأقل، هو الإعلان عن تشكيل لجنة تتابع تنفيذ هذه التوجيهات برئاسة منصور بن زايد، كون اللجنة ستكون بيد أبوظبي، والأخيرة هي المسؤولة عن السياسات والمواقف وتحمي المغردين!! فهل يمكن إصلاح هذا الوضع، بهذه الآلية، أم أننا سنكون أمام توجيهات أخرى للشيخ محمد بن راشد في المستقبل القريب؟!

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 02-09-2019

مواضيع ذات صلة