انسحاب أبوظبي من اليمن.. التوقيت والأسباب والتداعيات ومستقبل العلاقات مع الرياض!

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 578
تاريخ الخبر: 11-07-2019

منذ نحو أسبوعين، ولا يزال انسحاب قوات إماراتية من اليمن يشغل المراقبين والمحللين: بحثا وتفسيرا وتنبؤا. اعترفت أبوظبي عبر مسؤول رسمي بهذا الانسحاب الذي تعددت أسبابه، ولكنها قالت إنها تقدم ما أسمته استراتيجية "السلام أولا" على الاستراتيجية العسكرية! فما هي الأسباب الحقيقية للانسحاب وتداعياته، وهل يعني هزيمة أم انتكاسة أم مناورة، ولماذا في هذا التوقيت، وهل بالفعل أن "السلام أولا" هو مسار أبوظبي المستقبلي أم أن الأمر لا يعدو كونه دعاية؟!

من "عاصفة الحزم" إلى "إعادة الأمل"

تاريخيا، بدأ تحالف سعودي إماراتي إلى جانب عدد من الدول الخليجية والعربية الأخرى عمليات عسكرية واسعة النطاق استهدفت الحوثيين الانقلابيين والمسيطرين على الدولة اليمنية في 26 مارس 2015، ليعلن التحالف ذاته في 21 أبريل من العام نفسه الانتقال إلى عملية "إعادة الأمل"!

وفي هذه العملية، استمر العمل العسكري على أن يوزايه عمل سياسي تؤديه الحكومة اليمنية الشرعية. طرف المعادلة الأولى: استمرار الحرب، تحقق؛ أما طرفها الثاني: إعادة الشرعية فإنه لم يتحقق، وبدلا من ذلك، قامت الرياض وأبوظبي بالتدخل بصورة فجة في أعمال الحكومة اليمنية بصورة دفعت وزراء وحتى رؤساء حكومات سابقين لانتقاد تدخل الإمارات تحديدا في عملها، كما ورد من تصريحات لأحمد بن دغر وهو رئيس وزراء سابق.

الانتقال في التسميات من عاصفة الحزم إلى إعادة الأمل، كان يستهدف التخفيف من حدة الحرب ومفرداتها ومآلاتها السلبية جدا وهذا قبل الفظائع والجرائم التي ارتكبت في هذه الحرب من جانب التحالف والحوثيين سواء.

ما نريد قوله، إن الاهتمام بالمصطحات لم يكن وليد اللحظة، بل من بدايات الحرب، واستمر هذا النهج حتى أعلنت أبوظبي رسميا عن تحولها من الاستراتيجية العسكرية إلى إستراتيجية "السلام أولا"، وفق وكالة الأنباء الفرنسية.

جرائم الحرب والجرائم الحقوقية في اليمن ارتكبت بعد تسمية "إعادة الأمل"! وعسكريا توحشت الحرب بعد هذه التسمية، وهو ما يثير المخاوف من التسميات البراقة من أنها تخفي الوجه القبيح لسلوكيات منافية لها.

مراقبون، يستدلون بذلك على ما يسمى عام التسامح في الإمارات، ولكن المنظمات الحقوقية وحتى الأمم المتحدة تكشف زيف هذه التسمية وتؤكد وقوع عشرات الانتهاكات والممارسات التي تنافي التسامح! وبات المراقبون يفهمون سلوك أبوظبي على هذا النحو: أن تتحدث بشيء وتفعل شيئا نقيضا تماما للتغطية على هذا السلوك!

عقيدة أبوظبي في حرب اليمن

لأبوظبي عقيدة عسكرية واضحة رغم أنها غير معلنة، كشفها اعترافات رؤساء مليشيات أمريكية تم توظيفهم لاغتيال أعضاء في حزب الإصلاح اليمني، إلى جانب اتهامات ناشطين يمنيين أيضا بأن أبوظبي انحرفت تماما عن اهداف التحالف وأخذت تسيطر على اليمن.

وحتى وقت قريب، وفي الواقع لا يزال الأمر مستمرا، أكد وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش استمرار أبوظبي في دورها في العسكري في اليمن، وتحديدا في ميناء الحديدة، مشترطا وقف العمليات العسكرية بسيطرة الإمارات على الميناء، وكان قرقاش يظهر "عزما" لا شك فيه.

وفي يوليو 2018، برر قرقاش وقف الحرب في الحديدة أنه "بشكل مؤقت"، وقال: إن الإيقاف جاء "من أجل إفساح المجال أمام جهود مبعوث الأمم المتحدة، مارتن غريفيث، لتسهيل عملية تسليم الحوثيين لميناء الحديدة لقوات التحالف دون شروط".

وبعد فشل المفاوضات مع الحوثيين، أكد: "أملنا أن يثمر جهد المبعوث الأممي السياسي في تحرير المدينة، ودون ذلك فإن تحرير الحديدة قادم".

أما السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، الذي كان غاضبا من تخلي واشنطن عن أبوظبي في حرب اليمن، فقد قال يوليو 2018 أيضا: الإمارات لا تتلقى دعما من الإدارة الأميركية في حرب اليمن، ولذلك لا يجوز لها أن تنهاها عن "فعل هذا الأمر أو ذاك".

وأضاف: "عندما لا تريد حليفتنا أن تدعمنا علينا أن نأخذ الأمور على عاتقنا"، و" علينا أن نقوم بالمهمة بأنفسنا".

وفي سبتمبر 2018، أكد عيدروس الزبيدي، محافظ عدن السابق والموالي للإمارات، من أبوظبي، أن الحملة لطرد الحوثيين من ميناء الحديدة لن تتوقف حتى تتم السيطرة على المدينة. وشدد: "العمليات العسكرية بدأت و لا تراجع“.

ومع كل هذه المؤشرات وغيرها، ومن ضمنها تأكيدات محمد بن زايد في كل ذكرى سنوية لتوحيد القوات المسلحة في السادس من مايو من كل عام، أن الإمارات سوف تواصل التزامها ودورها الإقليمي والدولي في حفظ الأمن والاستقرار- رغم كل ذلك، وعلى نحو مفاجئ، قوات الإمارات تغادر أجزاء واسعة من اليمن!

أسباب هذا الانسحاب

تعددت أسباب الانسحاب بصورة كبيرة للغاية، منها ما أسباب الحرب نفسها ومراوحتها مكانها ومنها ما هو أسباب داخلية تتعلق بتذمر الإماراتيين وبعض إمارات الاتحاد.

لقراءة أسباب الانسحاب، لا بد من التذكير بأن الأمم المتحدة أصدرت في أغسطس الماضي تقريرا حقوقيا وصفه مراقبون بـ"القنبلة" كونه تقرير أممي رسمي يوجه أول مرة اتهامات بارتكاب جرائم حرب في اليمن بدءا من نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة محمد بن زايد وحتى نائب رئيس الدولة الشيخ محمد بن راشد وقادة عسكريين وسياسيين كبارا أيضا، ونفس الاتهامات وجهت لقادة السعودية بدءا من محمد بن سلمان.

هذا الاتهام الخطير وغير المسبوق والذي لم يمر عليه عام حتى الآن، كان أحد الدوافع الرئيسية لقرار الانسحاب، بهدف تحسين السمعة، وفق ما أكدته الناشطة اليمنية توكل كرمان وآخرون، إلى جانب إشارتها إلى ضغوط بريطانية على أبوظبي لدفعها للانسحاب، ومن أجل تحسين سمعتها وحتى لا يتحول قادتها العسكريون والسياسيون إلى مطاردين بتهم ارتكاب جرائم حرب في حال زياراتهم لأوروبا وأمريكا، علما أن محمد بن زايد لم يزر واشنطن منذ نحو عامين رغم دعوة رسمية من ترامب، فيما لم يتضح على الفور إن كان هذا السبب المباشر أم التحقيق في فضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية عام 2016، وتدخل أبوظبي في البيت الأبيض.

مراقبون، أشاروا إلى رفض محمد بن راشد وحاكم الشارقة وحاكم رأس الخيمة لهذه الحرب، خاصة ان معظم ضحايا هذه الحرب المتوحشة من مواطني رأس الخيمة.

الصحفي العربي عبدالباري عطوان، عدّد 10 أسباب وراء هذا الانسحاب، منها تخوف دبي وأبوظبي من هجمات حوثية في عمق الإمارات بعد نجاح هجمات مثيلة شنها الحوثيون على أهداف سعودية حيوية. عطوان، كشف عن قناة تفاوض سرية بين الحوثيين وأبوظبي أسفرت عن هذا الانسحاب، وهو ما وصفه ناشطون بعملية "تخارج" بين أبوظبي والحوثيين.

ولم يغفل مراقبون أيضا، أسباب التوتر الحالي في المنطقة مع إيران رغم نفي مسؤول إماراتي لهذا الاعتبار، غير أن المراقبين أجمعوا على أهمية هذا العامل في قرار الانسحاب.

العلاقات بين أبوظبي والرياض بعد الانسحاب

المسؤول الإماراتي الذي لم يكشف عن هويته ولكنه اعلن عن هذا الانسحاب، زعم أن القرار تم اتخاذه بالتشاور مع الرياض. وظل هذا الانطباع سائدا لنحو 72 ساعة قبل أن ينفي ناشطون سعوديون على مواقع التواصل الاجتماعي هذا التشاور، متهمين أبوظبي بالتخلي عن السعودية.

وقال الباحث جيمس دوروسي في موقع “لوبلوغ”: يعكس قرار الانسحاب خلافا في النهج بينها والسعودية تجاه اليمن.

وأضاف: بانسحابها ستظهر الخلافات بشكل واضح دون تعريض تحالفها مع السعودية للخطر. وفي الماضي عملت السعودية والإمارات على إدارة خلافاتهما.

ومن جهتها، قالت إيلانا ديلزييه، الباحثة في الشأن الخليجي وسياسة الطاقة في معهد واشنطن: "من شبه المؤكد أن قرار الإمارات (الانسحاب من اليمن) يتسبب في توترات مع الرياض"، ويهدد بفضح الخلافات بينهما، وقد "تتفاقم الخلافات القديمة بين الحكومتين".

كثيرون سردوا مظاهر هذا الخلاف، غير أنهم لم يتطرقوا إلى عامل جديد ظهر قبل بضعة شهور. فمؤخرا دعت السعودية إلى تشكيل تكتل دولي لحماية البحر الأحمر، ولكنها أبعدت أبوظبي عن هذا التكتل كون الإمارات لا تطل على سواحل هذا البحر، واقتصر التكتل على الدول الشاطئية له.

هذا يعني أيضا، عدم اعتراف السعودية بسيطرة الإمارات على ميناء عدن ولا اعتراف بوجودها في باب المندب وموانئ أخرى في اليمن وإريتريا ومن قبل في جيبوتي، وهو ما اعتبره الإماراتيون تنكرا سعوديا لهم رغم إشادة قرقاش بهذا التكتل عبر تغريدة، وبالانسحاب من اليمن تنتقم الامارات لاستبعادها من هذا التشكيل الإقليمي.

خطورة توقيت الانسحاب

كان من المثير الانتباه أيضا، هو تجاهل المراقبين الحديث عن توقيت الانسحاب ومدى حساسية الظرف ودقته. فهذا الانسحاب يكشف بصورة أو بأخرى تخلي أبوظبي عن حليفتها الرياض، وهذا يأتي في ظل سعي إدارة ترامب لتشكيل تحالف دولي ضد إيران، بل وفي وقت لا يستبعد فيه ترامب أي عمل عسكري اتجاه إيران.

فهل هذا التردد والهروب من اليمن في ظل هذه الظروف، سيدفع ترامب للثقة بحلفائه في المنطقة، أم أن الإمارات بالفعل تعارض سياسة السعودية وترامب في الدفع لحرب مع إيران؟! إذا كانت أبوظبي تسعى لأن تكون طرفا في أي تحالف ضد طهران يمكنها من استعادة جزرنا المحتلة بطريقة او بأخرى، فإن مراقبين يؤكدون أن الانسحاب من اليمن جاء في التوقيت الخاطئ!

وماذا بعد "السلام أولا"؟!

المتشككون بهذه الاستراتيجية ونيات أبوظبي استندوا إلى سلوك أبوظبي ذاته، عندما أكدوا استمرارها في محاربة حزب الإصلاح اليمني وسيطرتها على الموانئ، ومواصلة العمل باستراتيجية العمل العسكري والتدخلات العديدة في ليبيا والسودان ومصر، وهو ما يعني أن استراتيجية "السلام أولا" لا تعبر عن منهجية حقيقية وجديدة يمكن أن تسير عليها أبوظبي في المرحلة المقبلة، رغم الجانب الدعائي الهائل وراء هذه الشعار والذي يناقض سياسة أبوظبي وعقيدتها وتوجهاتها، وحجم نفقات التسليح وعسكرة المجتمع الإماراتي ودفع شباب الإمارات إلى التجنيد الإجباري وزجهم في حروب، ثبت أن الانتصار فيها مستحيلا، بحسب افتتاحية صحيفة "القدس العربي" الأربعاء 10 يوليو الجاري.

التعليق على هذه الاستراتيجية لم يخل من تفسيرات متطرفة، عندما زعم مراقبون أن أبوظبي تستبدل "احتلالها" المباشر لليمن بالاحتلال "بالريموت كنرول"، تماما كما فعل الاستعمار في الدول العربية عندما قال إنه انسحب منها القرن الماضي، ولكنه ترك خلفه حكومات وانظمة لا تزال محسوبة على هذا الاستعمار أو ذلك، بمن فيهم الاستعمار الأمريكي، على حد تعبيرهم!

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 578
تاريخ الخبر: 11-07-2019

مواضيع ذات صلة